تاريخ عروض كتب مختارات مقالات

رحلة ابن جبير

سلسلة كتاب كل يوم جمعة (29)
تراث الرحلات (2/4)
كتاب (تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار) أو (رحلة ابن جبير)

بقلم: د. وسام محمد

لا زلنا في صحبة الرحالة المسلمين وتراثهم في المكتبة العربية، وفي الأسبوع الثاني من شهر تراث الرحلات أود أن أقدم لكم كتاب (تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار) وهو الكتاب المعروف باسم (رحلة ابن جبير) نسبة لمؤلفه (أبي الحسين محمد بن أحمد بن جبير)، العالم والأديب والرحالة الأندلسي؛ وكان (ابن جبير) قد قام بثلاث رحلات إلى المشرق العربي، الأولى منها هي التي يروي مشاهداته فيها في هذا الكتاب.

وبدأ (ابن جبير) رحلته من مدينة (غرناطة) الأندلسية، ساعيًا إلى أداء فريضة الحج، وذلك في شهر (شوال) من عام 578 من الهجرة؛ فركب سفينة جنوية من (جزيرة طريف) وهي مدينة (الطرف الأغر/طارفالجار) اليوم؛ ومن ثم حملته السفينة منتقلًا بين الجزر الأندلسية ثم جزيرة (سردينيا) إلى أن وصل إلى (الإسكندرية)؛ وانطلاقًا من هذا الموضع في الكتاب، يروي (ابن جبير) مشاهداته عن (مصر)، وأهمية ما يرويه أنه (مصر) في هذا الوقت كانت تشهد التحول من حكم الفاطميين إلى حكم (صلاح الدين الأيوبي)، الذي يشيد به (أبن جبير) ويمدحه في غير موضع؛ ففي (الإسكندرية) يشهد عرض أسرى الصليبيين الذين وقعوا في اسر (صلاح الدين) بعد محاولتهم الفاشلة غزو (مكة) و(المدينة)؛ ثم ينتقل إلى (القاهرة) التي يصف عمرانها ومدارسها وبيمارستانتها وقلعتها التي كانت قيد الإنشاء في ذلك الوقت، كما يزور الأهرام وينبهر ببنائها؛ ثم يسافر عبر (النيل) إلى (صعيد مصر) ومنها إلى ميناء (عيذاب)؛ وفي هذا القسم يصف (ابن جبير) عمليات استيراد البهارات المستقدم من الشرق، وكيف يتم نقلها عبر هذا الميناء، وهي التجارة التي سوف تصبح عماد اقتصاد إمبراطورية (الأيوبيين) وخلفاءهم (المماليك)؛ ومن ثم يبحر إلى (الحجاز) عبر البحر الأحمر، ولا يفوته في هذا القسم من مشاهداته وصف صناعة السفن العربية في البحر الأحمر وصفًا تقنيًا دقيقًا؛ ثم يصل إلى (الحجاز) ويصف أحوالها ويقيم فيها نحو بضعة شهور، قبل أن يشرع في رحلة العودة، فيتجه نحو (العراق)، ويزور في طريقه (الكوفة) و(المدائن) و(بغداد) ويصف حالة التدهور الحضاري الذي لحقت بالعراق في عهد العباسيين المتأخرين، ثم يستمر في رحلته شمالًا نحو (الموصل) و(ديار بكر) والتي يصف أمراءها من بقايا السلاجقة وصفًا يمكن مقارنته بحكم ملوك الطوائف في بلده (الأندلس)؛ ثم يتجه إلى بلاد (الشام) حيث يزور مدنها الكبرى مثل (حلب) و(دمشق) والتي يصف ساعتها الدقاقة ويقارنها بما في (الأندلس) من ساعات مشابهة؛ ثم يبلغ (عكا) في (فلسطين) حيث يركب سفينة جنوية متجهًا إلى بلاده، ولكن السفينة يصيبها العطب وتضطر أن ترسو في مدينة (مسينا) في (صقلية) للإصلاح مدة شهرين، ولا ينسى (ابن جبير) أن يذكر في هذا الموضع كيف هو بناء سفن البحر المتوسط، وفنون الملاحة فيه؛ وفي هذه الفترة كانت (صقلية) قد انتقلت من حكم المسلمين إلى حكم (النورمان) ولكنها كانت لا تزال مسلمة السكان والثقافة؛ في النهاية يصل (ابن جبير) إلى وطنه، ليبلغ (غرناطة) في نهاية شهر (محرم) من عام 581 من الهجرة، بعدما استغرق في رحلته هذه ما يزيد عن عامين.

فيما بعد، ارتحل (ابن جبير) إلى المشرق مرتين، المرة الأولى بعدما بلغت أهل الأندلس انتصار صلاح الدين على الصليبيين في (حطين) وفتح (بيت المقدس)، فأراد (ابن جبير) أن يحج ثانية ويقف على أحوال (بيت المقدس) بنفسه؛ والمرة الثانية كانت بعدما انتقل للإقامة في (فاس)، وبعد وفاة زوجته وما أصابه من حزن بسبب ذلك، فأراد الحج والمجاورة في (مكة)، فكان له ذلك، ثم رحل عنها إلى (بيت المقدس) فأقام بها فترة وجيزة، ثم أنتقل إلى (الإسكندرية) فأقام فيها وراح يدرس ويحدث في مدارسها ويؤخذ عنه العلم، إلى أن توفاه الله ودفن فيها؛ وأخبار الرحلتين لم يتضمنها كتاب رحلته، ولكن ذكرهما (لسان الدين بن الخطيب) ضمن كتابه (الإحاطة في أخبار غرناطة).

ظلت (رحلة ابن جبير) مخطوطة تداولها أيدي قليلة، وتحفظ في خزائن كتب الأمراء والأعيان، حتى كان منتصف القرن التاسع عشر، حيث قام بطباعتها المستشرق الإنجليزي (ويليام رايت)، ثم أعاد الهولندي (دي خويا) طباعتها مرة أخرى عام 1907، وهي الطبعة في الرابط أسفل المقال. وفي العصر الحديث، أعيد طباعتها أكثر من مرة، ومن طبعاتها الجيدة طبعة (مكتبة مصر) وطبعة (دار صادر).

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.