تاريخ عروض كتب مختارات مقالات

أميل توما وجذور القضية الفلسطينية

سلسلة كتاب كل يوم جمعة:
جذور القضية الفلسطينية

بقلم: د. وسام محمد

هذا الأسبوع، نضيف كتاب جديد إلى قائمة ترشيحات القراءة يتعلق بفلسطين وتاريخها، وهو كتاب (جذور القضية الفلسطينية) لمؤلفه المؤرخ الفلسطيني (أميل توما).

يتناول الكتاب تاريخ المسألة الفلسطينية، أو (العقدة الفلسطينية) كما يسميها المؤلف، في نطاق زمني مبتدأه نهاية القرن التاسع عشر، ومنتهاه النكبة؛ في ستة عشر فصلًا.

في الفصل الأول المعنون (نشوء العقدة الفلسطينية) يتناول المؤلف كيف نشأت المشكلة الفلسطينية، مرجعًا سبب نشأتها إلى الأطماع الأوروبية، خاصة الإنجليزية والفرنسية في السيطرة على المنطقة، وكيف أن إنشاء وطن قومي لليهود كفكرة ظهر في أروقة وزارات المستعمرات الإنجليزية والفرنسية، راصدًا المبادرات الأوروبية التي عملت لتحقيق هذه الفكرة قبل ظهر الحركة الصهيونية.

في الفصل الثاني المعنون (ملاحظات على نشوء الحركة الصهيونية) يبحث المؤلف في الجذور الفكرية والتاريخية للحركة الصهيونية، فمن جانب يراجع تلك النصوص التوراتية والتلمودية والأفكار والحركات الدينية التي استندت عليها الصهيونية، ومن جانب آخر يستكشف كيف أسهمت مفاهيم القومية التي نشأت في أوروبا في منح خطاب حديث للصهيونية، وما هو يمكن أن يستشف القارئ منه علة نشوء الصهيونية في أوروبا وعدم نشأتها في العالم الإسلامي.

في الفصل الثالث المعنون (نشوء الصهيونية وأيدولوجيتها)، يلخص المؤلف تاريخ الحركة الصهيونية والأفكار التي اعتنقتها وأنشطتها في القرن التاسع عشر؛ ويعتبر هذا الفصل بمثابة مقدمة للفصل اللاحق، الفصل الرابع، المعنون (الصهيونية حتى وعد بلفور)، والذي يستمر فيه المؤلف في رصد تاريخ الصهيونية في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، وعلاقتها بالدوائر الاستعمارية الغربية.

الفصل الخامس المعنون (وعد بلفور) يبين فيه كيف أن صدور (وعد بلفور) كان لازمًا تاريخيًا بسبب النزاع الاستعماري على المنطقة والذي تحول إلى الحرب العالمية الأولى، وأن هذا الوعد كان بمثابة خطوة تكتيكية بين المتحاربين إذا لم يتبانها الإنجليز سوف يتبناها طرف آخر.

الفصل السادس عنوانه (الحركة القومية العربية حيال وعد بلفور)، وفي هذا الفصل يناقش ردود أفعال الحركات السياسية التقليدية على مسألة (وعد بلفور)، ويعزي رد الفعل الذي تراوح بين عدم المبالاة والفتور إلى العلاقات المتبادلة للمصالح بين الطبقة الحاكمة العربية وبين دوائر الاستعمار.

في الفصل السابع وعنوانه (المجابهة الأولى) وفيه يؤرخ المؤلف إلى بدايات الانتداب البريطاني في فلسطين، مبينًا كيف ربط الفلسطينيون بين الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية، وسعي الصهيونية إلى (تهويد) فلسطين مستعينة بالدعم السياسي والمالي من بريطانيا، وكيف أخفقت الطبقة السياسية العربية بسبب سعيها لحماية مصالحها الشخصية في وقف الاجتياح السياسي والدبلوماسي الصهيوني والذي تجلى بنجاح الصهيونية في انتزاع قرار من الكونجرس الأمريكية يعترف فيه بالحق اليهودي المزعوم في فلسطين؛ ويستمر المؤلف في الفصل الثامن وعنوانه (نظام الانتداب والممارسة الصهيونية) في هذا الرصد التاريخي للإخفاق العربي والنجاح الصهيوني، وفي كلا الحالتين يحدث إخفاق طرف ونجاح آخر بسبب ارتباط كلا الطرفين بالاستعمار، ولكن نجاح الطرف الصهيوني يصب في مرحلة خلخلة المنطقة وبالتالي في مصلحة الاستعمار، وهو ما يقدمه المؤلف من خلال ابراز ما قام به الانتداب من إجراءات قانونية وإدارية دعمت تمكين الصهيونية من الأرض.

في الفصل التاسع المعنون (الحركة القومية العربية)، يعود المؤلف إلى نقد الطبقة السياسية في فلسطين وفي العالم العربي مبينًا التناقض بين العقيدة القومية التي أعتنقها هؤلاء والتي بموجبها شنوا الثورة العربية الكبرى، وكيف تؤدي هذه العقيدة القومية بالضرورة إلى نشوء الفكرة الإقليمية، وبالتالي فصل سوريا التاريخية عن محيطها العربي، وهو ما سوف يؤدي في النهاية إلى فصل فلسطين عن محيطها السوري؛ من جانب آخر ينتقد المؤلف سذاجة الطبقة السياسية الفلسطينية خاصة في إجراءاتها التي اتبعتها في سبيل جهاد الانتداب البريطاني والصهيونية؛ في الفصول من العاشر إلى الفصل الخامس عشر، يؤرخ المؤلف للثورة الفلسطينية، وكيف أنتقل زمام المبادرة من يد الطبقة السياسية التقليدية إلى الشعب البسيط، وكيف أن الثورة المسلحة ضد الإنجليز وضد الصهيونية كانت الخيار الشعبي الفاعل والصادق، بينما تاهت الطبقة السياسية في دهاليز المفاوضات والوعود والقوانين؛ كذلك يناقش في هذه الفصول مسألة من أهم مسائل تاريخ فلسطين، وهو الزعم الفاجر بأن الفلسطينيين قد باعوا أرضهم، مبينًا السياسات التي اتبعها الانتداب البريطاني والقاضية بانتزاع المناطق البرية، والتي كانت بمثابة مراع مشاعية، ومنحها للصهاينة بدعوى الاستصلاح، مثبتًا في الوقت نفسه كيف باع بعض كبار الملاك القاطنين خارج فلسطين أراض بور للصهاينة.

الفصل الأخير، أي الفصل السادس عشر، والمعنون (قرار تقسيم فلسطين وقيام دولة إسرائيل)، يؤرخ فيه المؤلف للحوادث التي أدت إلى قرار التقسيم، مبتدأ من اللجنة التي أرسلتها بريطانيا للتحقيق في حوادث الثورة، وكتابها الأبيض، إلى ما دار في أروقة وزارات الخارجية والأمم المتحدة وانتهى بتقسيم فلسطين، وقيام دولة إسرائيل، بينما فشلت الطبقة السياسية الفلسطينية التقليدية في انتزاع أي اعتراف بدولة عربية فلسطينية.

صدر الكتاب؛ كما يقول المؤلف في مقدمته؛ على مدى عامين في صورة حلقات في مجلة؛ ثم صدر في كتاب عن المكتبة الشعبية في الناصرة في فلسطين المحتلة عام 1964، ولم يطبع ثانية إلا منذ بضع سنوات حيث طبعه (معهد اميل توما للأبحاث السياسية والاجتماعية) في حيفا، مع سائر مؤلفات الكاتب، إلا أن هذه الطبعة لم تدخل البلاد العربية، إذ أن المعهد تابع للحزب الشيوعي الإسرائيلي في فلسطين المحتلة. المؤلف نفسه (أميل توما) من عرب فلسطين المحتلة الذين تسميهم وسائل الإعلام (عرب إسرائيل)، وهو مؤرخ وناشط ماركسي معروف، ولذا تغلب على كتاباته النزوع إلى منهج المادية التاريخية، وهو ما يجعل كتابه المذكور، إذ أنه يركز دائمًا على العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي شكلت في فلسطين الطبقة السياسية التقليدية والقوى الشعبية التي خاضت الثورة، وبالتالي فهو يستكشف مناطق مظلمة من تاريخ فلسطين عادة ما تتجاهلها بعمد أو بغير عمد المؤلفات التاريخية التي تتناول تاريخ فلسطين من منطلقات عاطفية أو غوغائية.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.