أدب و تراث مختارات مقالات

ألف شمس ساطعة

ألف شمس ساطعة
للكاتب/ خالد حسيني

بقلم: م. حسام شلش – مصر

للمرة الثانية ما زال الكاتب الرائع خالد الحسيني قادر على إبهاري بأسلوبه الروائي الشيق والأكثر من رائع والذي يتعمد فيه سرد وتوثيق وطنه الأصلي (أفغانستان) من خلال استخدام الكتابة الروائية واستعراض أحوال تلك البلد والتي كم عانت من اضطرابات شديدة حتى وصلت للمرحلة التي نراها عليها الان من تشرد للمواطنين الأصليين وحروب وطمس الكثير من معالم تلك الدولة والتي لم يصلنا عنها الا القليل المشوب بالأخطاء.

(ألف شمس ساطعة) ليست مجرد رواية ولكنا توثيق لحال المرأة الأفغانية وسرد حالها وحياتها وتأثير العوامل الخارجية على المرأة في أفغانستان بشكل عام منذ مولدها الى وفاتها ، وبجانب سرد و التطرق لحال و معاناة المرأة الأفغانية يسرد الكاتب حال أفغانستان وما مرت به بسبب الظروف السياسية ابتداء من الانقلاب على الرئيس و انتقال السلطة للشيوعين ثم احتلال الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحال بسيطرة طالبان على مقاليد الحكم بداخل الدولة وحال الدولة بعد تفجير برج التجارة ونبذها من جميع دول العالم، و خلال كل تلك التقلبات السياسية يوضح الكاتب بطريقة رائعة تأثير تلك التقلبات على المجتمع الأفغاني بشكل عام و على المرأة الأفغانية بشكل خاص سواء من قريب أو من بعيد من خلال زواجها او والديها و اخوتها وحياتها بشكل عام.

تدور احداث الرواية خلال 40 سنة من خلال عرض السيرة الذاتية بطريقة مفصلة لسيدتين من أفغانستان وهما (مريم) و (ليلى)، حيث تبدأ احداث الرواية في بدايات فترة السبعينات للقرن الماضي وانتهاء ببداية الالفينات بعد حادثة انفجار برج التجارة بالولايات المتحدة الامريكية.

تدور الرواية داخل خطيين زمنين مختلفين حيث خط خاص بحياة (مريم) يشمل ولادتها وظروف معيشتها وتربيتها وزواجها من (رشيد) وانتقالها للعيش بمدينة أخرى، بينما الخط الاخر في فترة أحدث من فترة (مريم) ويناقش حياة (ليلى) كذلك بتفاصيلها وزواجها وحبها الأول مرورا بتفاصيل زواجها وتأثير الأحوال السياسية واندلاع الحروب والاحتلال وصمودها في أمام كل تلك المشكلات والظروف ، و مع تعمق القارئ بداخل احداث الرواية تظهر العلاقة و الصلة ما بين (مريم) و(ليلى) مع توضيح تأثير كل من السيدتين على الاخر على رغم فرق السن بينهم وظروف حياة ومعيشة كل منهم ، حيث نجد (مريم) والتي تعانى من مشاكلها الزوجية وتأثيرها على شخصيتها و نجد في الجانب الاخر (ليلى) والتي تعانى من سيطرة التقلبات السياسية وتأثيرها على حياتها الشخصية سواء من اتجاه اسرتها او زوجها وما سببته الحرب من اثار نفسية بداخلها .

في رأى الشخصي كقارئ ان الرواية كانت بالفعل مكتملة الأركان والمحاور وساعد في نجاحها بشكل كبير الترجمة المفصلة والأكثر من رائعة والخاصة بالمترجم (هشام عبد الحميد) والتي تدل على أمانة الكاتب في نقل وسرد الكثير من التفاصيل بشكل دقيق ولذلك أعتقد من أسباب نجاح الرواية هو الترجمة المبسطة والدقيقة والتي ساهمت في نقل الكثير من الاحداث طبقا لوصف الكاتب واسلوبه وتوضيح فكرته ورسالته.

محور بناء الشخصيات كان أكثر من رائع خاصة وأعتقد انها من أحد مميزات الكاتب كما تم في روايته (عداء الطائرة الورقية) ، فكم أبدع الكاتب في وصف وبناء الشخصيات وربطهم وبناء الصلات والعلاقات والروابط بين الشخصيات وبعضها البعض بطريقة رشيقة وبسيطة مبسطة للقارئ ولا تسبب التشتت ان نسيان الأسماء او صفات الشخصيات، فكم أبدع في عرض نشأة كل شخصية بداية من مولدها و ظروف ولادة الشخصية و طريقة تربيتها وتأثرها بالظروف المحيطة وضم كل تلك العوامل لصياغة و خدمة الشخصية حتى يتم عرضها بطريقة مقنعة لكل قارئ تجعله يندمج بكل شخصية و على قناعة بنهاية كل شخصية وطريقة تناولها.

وصف الأماكن جيد وأعجبني شخصيا وصف العاصمة (كابل) وشوارعها وسياراتها والجامعة ودور السينما ووصف الناس في حقبة ما قبل التدهور السياسي لأفغانستان حيث وصف الملابس موضة ذلك العصر وطريقة المعيشة ليعرض لنا الكاتب (أفغانستان) في صورة لم نرها من قبل حيث لم يصل لنا منها الا الحروب والانقلابات وسيطرة طالبان.

كذلك وصف الكاتب لمكان نشأة وتربية (مريم) من خلال رؤية (ليلى) ووصفها لكل قطعة بداخل منزل (مريم) السابق وخاصة الكتابة الروسية على الحائط ومحاولة الكاتب في استغلالها كإسقاط على مدى تأثير الاحتلال السوفيتي على (أفغانستان) وان ما تعرضت له تلك الدولة ما هو الا نتيجة مؤامرات والعاب سياسية ليس للشعب الأفغاني دخل بها ابتداء من الانقلاب مرورا بحركة طالبان وانتهاء بإعلانها دولة إرهاب من قبل الولايات المتحدة الامريكية.

الرؤية العامة للرواية توضح نجاح الكاتب في عرض فكرته ورسالته الخاصة بتسليط الضوء على معاناة المرأة الأفغانية ومعاناة أفغانستان بشكل عام وتضررها من الحروب وتهجير الكثير من المواطنين الأصليين المتبقيين من بعد تلك الحروب وانتقالهم الى دول مختلفة بطرق مهينة ووفاة الكثير منهم نتيجة الجوع والامراض.

للأسف (أفغانستان) وما حدث بها نتيجة صراعات سياسية لا علاقة لشعبها بها وبالفعل بداخل تلك الدولة كانت توجد دولة بسيطة وتعيش بسلام وشعب مسالم.

الرواية رائعة في المجمل وأنصح بقراءتها بتركيز والتعرف على العالم الخفي بداخل (أفغانستان) وبالفعل تسلط الضوء على قضية مبهمة للكثير منا.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.