قصص قصيرة مختارات مقالات

التباكي علي العصر البائد

بقلم: أ. رشا صالح

كان الملك الكامل يتمتع بعلاقة جيدة مع فريدريك الثاني الالماني ملك الامبراطورية الرومانية المقدسة الذي كانت علاقته ببابا الفاتيكان يشوبها التوتر والقلق فهو لم يكن متدينا علي اي حال .

ووقع الملك الكامل في مأزق فأخيه الملك المعظم يتصارع معه علي الحكم فما لبث الا ان استنجد بصديقه فريدريك الذي وجدها فرصة عظيمة لتحدي البابا وعزم علي الذهاب لاستعادة القدس بعدما حررها صلاح الدين ولكن البابا لم يرضي عنه ولم يحشد له الجيوش بل اصر انه مغضوب عليه فاصر الآخر علي السفر الي الشام في جيش قليل العدد من الجنود ويمني نفسه بانه ملك القدس الجديد بعدما يهزم الملك اخيه ولكن قبل وصوله مات الملك المعظم فانتهت الازمة بين الاخ واخيه وهنا ارتبك الكامل ووقع في شر اعماله فسبب استنجاده انتهي ولكن الجنود وفريدريك علي مشارف المدن .

التقي الصديقان فحاول الكامل الترحاب والاعتذار لان ما عاد هناك سببا للحرب ولكن فريدريك توسل له وبكي طالبا القدس وألا يشمت به الاعداء فاستجاب له الكامل وليته ما فعل .

ليس العجيب هنا امر فريدريك ولا امر الكامل العجب حقا من اهل البلاد وتصرفات هؤلاء العباد فبعد تسليم المدينة صرخت النساء ومرغن انفسهن بالتراب اما الرجال فكانت ضجتهم وكأنها زوبعة في فنجان ولو انهم ثاروا ورفضوا لكان خيرا لهم فكيف لم يرفضوا تسليم المدينة لملك لم يكن حتي مؤيد من عشريته وقومه بل هو رضوخ تام لا مبرر له.

وتتوالى السنون حتي يتحكم المماليك في امر المصريين حتي في ظل الحكم العثماني الذي كان واليها لعبة في ايدي هؤلاء المفسدين الذين اذاقوا المصريين الذل والهوان وهم لا يحركون ساكنا ابدا فقط يتبارون في قوة تحمل الظلم ولكن كانوا يرفضون تماما ان يحكمهم رجل غربي فقاوموا الفرنسيين اشد المقاومة حتي حكمهم محمد علي الذي بعده اصبحت مقاومة المحتل الانجليزي مجرد سباق علي كرسي في مجلس النواب او علي منصب رئيس الوزراء …

وتتوالي السنون ايضا حتي ان بعد هزيمة النكسة كما تلقب يخرج المهزوم دامعا فتبكيه الجماهير ولا ترضي بدموعه رغم ان كل البيوت المصرية كانت تبكي شهدائها المغدور بهم ..

لا اتعجب من فعل الخونة والظالمين ولكن اتعجب من حال شعوب مستكينة طال عليها امد الظلم حتي اصبحوا اموات وربما ساهمت فتاوي عدم الخروج عن الحاكم في هذا الرضوخ ولا اعيب علي الفقهاء او الائمة واتفهم موقفهم تماما فالمسلمون الاوائل قاوموا الملك العضوض بما اوتوا من قوة ولكن دون جدوي الا سفك الدماء والتخبط وزيادة الفتن والقلاقل واغلب الثورات لم تؤدي الي النتائج المرجوة بل بالعكس ادت الي نتائج كارثية واتذكر هنا الصحابي الجليل عبد الله بن عمر واذكر حيرته وبكاؤه مودعا للحسين رضي الله عنه و اعلم ما كان بقلبه من صراع ومن خوف اراقة الدماء ..كان يقول ندع لهم الدنيا ولكنهم طال بهم الأمد فأفسدوا ديننا ودنيانا حتي التبس الامر وما عدنا نعرف كيف النجاة فالظلم واقع علينا من الجميع وما الي الهروب منهم من سبيل .

وكل ما نستطيع فعله الآن. الا التباكي علي العصر البائد ونقول عندما كنا عظاما ولا ندري ان من الافضل التعلم من الاخطاء وعدم تكرارها ولكننا نسوغ البكائيات كاعتراف ضمني اننا لن تقوم لنا قائمة مرة أخري فالبكاء لا يجوز الا علي الاموات .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.