دين عروض كتب فكر مختارات مقالات

الإسلام كبديل

 

كتاب كل يوم جمعة 15:
عرض كتاب الإسلام كبديل

بقلم: د. وسام محمد – مصر

اليوم أرشح لكم كتاب (الإسلام كبديل) للدبلوماسي الألماني المهتدي للإسلام (مراد هوفمان)، والذي توفي أجله منذ فترة قصيرة؛ وكان (هوفمان) قد ولد كاثوليكيًا في ثلاثينات القرن العشرين، ودرس القانون في جامعات ألمانيا والولايات المتحدة والتي حصل فيها على درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد المعروفة، وعمل في بداية حياته في مجال المحاماة، قبل أن يلتحق بوزارة الخارجية الألمانية؛ ويمكن أن نزعم أنه خلال عمله في السلك الدبلوماسي كان ضالعًا في نشاطين على التواز، فمن جانب خدم في القنصليات الألمانية في الجزائر والمغرب إلى أن بلغ درجة سفير لبلاده في البلدين، ومن جانب آخر كان أكثر من مرة مسئولًا عن ملفات هامة تدور حول العلاقة بين ألمانيا وحلف شمال الأطلنطي، إلى أن بلغ منصب مدير المعلومات في الحلف؛ وهذه المناصب والأنشطة هي ما تسببت في إثارة الضجة عندما أشهر إسلامه عام 1980؛ وفي كتاباته يرجع (هوفمان) اهتداءه إلى الإسلام إلى عدة أسباب، منها ما شهده من ثبات مجاهدي الجزائر في مواجهة وحشية فرنسا أثناء عمله في القنصلية الألمانية في الجزائر خلال حرب التحرير الجزائرية، ومنها تأثره بالفنون البصرية والمعمارية الإسلامية؛ وقد ولد ذلك في ذهنه العديد من الأسئلة حول الصورة النمطية للإسلام والمسلمين في الوعي الأوروبي، وحول القيم الأخلاقية والحضارية للغرب؛ وهو ما أنتهى به إلى الاهتداء إلى الإسلام، وتحوله إلى أن يعمل على إظهار الصورة الحقيقية للإسلام لمواطنيه الألمان خاصة، ولأبناء الغرب عامة، وفي هذا السياق أصدر عدد من الكتب، الموجهة للغربيين أساسًا، لتوضيح مفاهيم الإسلام ومنظومته الحضارية، ومن هذه الكتب الكتاب الذي أرشحه لكم اليوم، كتاب (الإسلام كبديل).

نشر كتاب (الإسلام كبديل) للمرة الأولى باللغة الألمانية عام 1992، وصدرت طبعته الإنجليزية في العام التالي عن دار نشر أمانة الأمريكية وهي دار نشر متخصصة في نشر كتب التعريف بالإسلام، أما طبعته العربية فقد صدرت عام 1996 عن دار العبيكان بالتعاون مع مجلة النور الكويتية ومؤسسة بافاريا للنشر صاحبة الحقوق الفكرية للطبعة الألمانية، وقد أعيد طبعة عدة مرات عن نفس الدار ودور أخرى، والمراجعة التالية تعتمد على طبعة دار العبيكان.

الطبعة العربية تبدأ بمقدمة للمستشرقة والأكاديمية الألمانية (آنا ماري شيمل) المعروفة بكتابتها حول الإسلام عامة، والتصوف خاصة، وهي في هذا المقدمة تثني على هدف (هوفمان) من بحثه هذا، من إزالة الغموض عن صورة الإسلام للمواطن الغربي، وهو الغموض الذي ترجعه إلى التشويه المتعمد لصورة الإسلام من قبل المؤسسة المسيحية الأوروبية، ومن قبل المؤسسات الحاكمة، والتي اجتمعتا على تشويه الإسلام، سواء كان هذا الاجتماع مقصود أم غير مقصود، بعدما شعرا أن وصول صورة الإسلام الحقيقية للمستضعفين الأوروبيين يمكن أن تؤثر على بقاء هذه المؤسسات، سواء الدينية أو الدنيوية، متحكمة في رقاب العباد.

أما الكتاب نفسه، فيأتي في عشرين فصل، يمكن أن نقسمهم في …أقسام.

الفصل الأول وعنوانه (الإسلام والغرب) قسم قائم بذاته، إذ يعتبر مدخل للكتاب، يقدم فيه المؤلف هدفه من كتابه هذا وهو رسم صورة (حقيقية) و(واقعية) حول الإسلام للقارئ، وذلك من خلال تتبع تاريخ تكون صورة الإسلام في الوعي الأوروبي، وكيف تكونت هذه الصورة، وكيف ساهمت في تشكيل علاقة الأوروبي الغربي بالإسلام.

القسم الثاني ويضم الفصول من الثاني حتى السابع، وفي هذا القسم يركز المؤلف على توضيح المنظومة الروحية الإسلامية، من خلال تقديم مفهوم الإسلام حول الدين كنظام للحياة، وكمال الإسلام وشموله؛ وكيف ينظر الإسلام إلى المسيحية، مفرقًا بين المسيحية المؤسسية التي يرجعها إلى (بولس الرسول)، والمسيحية الأصلية الممثلة في تعاليم (السيد المسيح عليه السلام)؛ ومناقشًا علاقة مفهوم الإيمان بمفهوم العلم في الإسلام، وكيف أن هذين المفهومين متكاملين في الإسلام بعكس تعارضهما في الحضارة الغربية؛ ثم ينتقل إلى مفاهيم أخرى مثل الإحسان والتربية من خلال التصوف؛ ومفهوم الايمان بالقضاء والقدر؛ وأخيرًا مفهوم السلفية من حيث هو الرجوع دائمًا لأصل الإسلام والاحتكام له.

القسم الثالث ويشمل الفصول من الثامن وحتى الفصل الحادي عشر؛ وفي هذه الفصول يناقش (هوفمان) موضوع حساس عند المواطن الغربي عامة والألماني خاصة، وهو موضوع البناء السياسي والاقتصادي للدولة؛ وحساسية هذا الموضوع مرجعه إلى التاريخ القريب للغرب الذي عاني من الطغيان السياسي والفاشية والتي قادت أوروبا إلى تدمير نفسها بنفسها في حربين عالميتين في أقل من ثلاثة عقود، ولا تزال أوروبا تعاني من أثر هذا الكوارث التاريخية إلى اليوم، في نفس الوقت الذي يسوق فيه الكثيرين إلى أنه ليس ثمة نظام سياسي في الإسلام، وأن التجارب التاريخية السياسية للإسلام أفضت إلى نتائج كارثية؛ ولكن (هوفمان) يعمد إلى البحث في الأصول الإسلامية حول مبادئ النظام السياسي، ويناقش هذه المبادئ من وجهة نظر أوروبية صرفة، مقارنًا هذه المبادئ بالمبادئ الغربية المعمول بها حاليًا، منتصرًا لمبادئ الإسلام من الناحية الأخلاقية والعملية؛ وفي هذه الفصول تجد الكاتب يناقش مفاهيم مثل المساواة والعدالة، وحقوق الأقليات الدينية بالذات، وطبيعة السلطة الحاكمة، وأخيرًا الاقتصاد الإسلامي وما يتميز به من واقعية وأخلاقية في آن واحد.

القسم الرابع ويندرج تحته الفصل الثاني عشر والفصل الثالث عشر، وهذا القسم أوقفه المؤلف على رؤية الإسلام للقضايا المعاصرة، ففي الفصل الثاني عشر يناقش علاقة الإسلام بمفاهيم البيئية وحمايتها وتنميتها وعلاقة البيئة بالمجتمع الإنساني في التصور الإسلامي، بينما في المفصل الثالث عشر يناقش علاقة الإسلام بالفنون المختلفة، مركزًا على الفنون البصرية بالذات.

القسم الخامس ويشمل الفصول من الرابع عشر وحتى الفصل العشرين؛ وفي هذه الفصول نجد (هوفمان) وهو رجل القانون يصحب القارئ في رحلة بين جوانب الإسلام القانونية والتشريعية المختلفة، فيتنقل بين تاريخ علم الفقه وأهم أعلامه ومدارسه، لينتقل إلى مسائل مثل حقوق الإنسان عامة، والمرأة خاصة، ومسألتا الحدود والجهاد اللتان تستخدما لتشويه صورة الإسلام في الغرب، لينتهي بمناقشة العلاقات الدولية والقانون الدولي من المنظور الإسلامي.

على الرغم أن هذا الكتاب موجه أساسًا للقارئ الغربي، إلا أنه من المهم قراءته من قبل الشباب المسلم هذه الأيام، حيث يروج بعض المهزومين حضاريًا وانغال الغرب إلى ضرورة الردة عن الإسلام سواء كانت ردة بالمعني الشرعي الحرفي أم الردة بالمفهوم الحضاري، واعتناق كل ما يأتي من الغرب، دون تمحيص ولا فهم، وكأن الغرب أضحى إلهًا لا يأتي منه إلا الحق، ولعمر الله لقد دحض (هوفمان) هذه الترهات التي يروجها مثل هؤلاء، وهو ابن حضارة الغرب، ويرى أن الإسلام هو البديل الحضاري لحضارة أوروبا ونظام العيش الأنسب للإنسان من كل الجوانب.

وقبل أن أنتهي، أود أن أشير إلى (هوفمان) له العديد من الكتب التي تقدم الإسلام للغرب، منها الكتاب الذي قدمناه، ومنها كتب أخرى مثل (الطريق إلى مكة) و(مستقبل الإسلام في الشرق والغرب) و(يوميات ألماني مسلم) وغيرها، وقد ترجمت بعض كتبه المتعلقة بالإسلام إلى اللغة العربية؛ إلا أن البعض الآخر من أهم كتبه لم تترجم بعد مثل كتابه المعنون بالألمانية (Ein philosophischer weg zum Islam) أو (طريق الفلسفة إلى الإسلام)، وكتابه (Zur Rolle der islamischen Philosophie) أو (عن الفلسفة الإسلامية) وغيرها.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.