تاريخ مختارات مقالات

تاريخ التشريع الإسلامي

سلسلة كتاب كل يوم جمعة 10:
تاريخ التشريع الإسلامي

الكتاب الذي أرشحه هذه الجمعة، كتاب (تاريخ التشريع الإسلامي) من تأليف العالم الدرعمي (محمد بك الخضري).

يقدم هذا الكتاب رصد تاريخي لتطور الفكر الفقهي والتشريعي الإسلامي عبر عصوره المختلفة، راصدًا أهم أعلامه ومدارسه وقضاياه؛ الكتاب مقسم إلى مقدمة قصيرة، وستة أقسام، ويتناول كل قسم من هذه الأقسام طور تاريخي من أطوار تطور التشريع الإسلامي؛ المقدمة القصيرة عرفت بالتقسيم الذي عمد إليه المؤلف في كتابه لبيان تاريخ التشريع الإسلامي؛

يأتي بعد المقدمة القسم الأول وعنوانه (الدور الأول: التشريع في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وهو القسم الذي خصصه لتناول مصادر التشريع الإسلامي وأصوله وأقسامه ونماذج من تطبيقاته في عهد النبي صلوات الله عليه وسلم؛ القسم الثاني عنونه المؤلف (الدور الثاني: التشريع في عصر كبار الصحابة)، وفيه يتناول مظاهر اجتهاد الصحابة في النوازل، والأسباب التي دعتهم في الاختلاف في اجتهادهم؛ ثم يأتي القسم الثالث وعنوانه (الدور الثالث: التشريع في عهد صغار الصحابة)، وفيه يعرض لظهور مدرستي الحديث والرأي، ثم يترجم لعدد من أعلام مفتيي هذا الدور، كما يؤرخ لبدايات ظهور الفرق؛ ويلي ذلك القسم الرابع وعنوانه (الدور الرابع: التشريع في العهد من أوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع)، ويؤرخ فيه المؤلف إلى بدايات التدوين المنهجي للعلوم الشرعية، وتقعيد الاجتهاد، وتعيين المصطلحات، وهي المقدمات التي أدت إلى ظهور المدارس أو المدارس الفقهية المعروفة؛ أما القسم الخامس فكان عنوانه (الدور الخامس وهو دور القيام على المذاهب وتأييدها)، وعنى فيه المؤلف بالتأريخ لتطور المذاهب الفقهية وأهم أعلامها ومراجعها؛ وأخيرًا يأتي القسم السادس وعنوانه (الدور السادس من سقوط بغداد إلى الآن)، وفيه يبحث المؤلف أسباب الركود والجمود الذي أصاب الفكر التشريعي للمسلمين، وهو ما يرجعه إلى انقطاع الصلة بين علماء الأمصار المختلفة الخراب الذي لحق بالعالم الإسلامي بسبب الغزو المغولي والغزو الصليبي ثم تمزق أوصال العالم الإسلامي بفعل الاستعمار؛ كما يؤكد أن على السبب الداخلي للجمود وهو الميل إلى التقليد والتعصب المذهبي؛ وقد أنتهى في هذا الفصل إلى ضرورة مراجعة الكتب الدراسية التي يعتمد عليها دراسي العلوم الشرعية والتي وصفها بأنها قد أصبحت موجزة لدرجة الإخلال.

على الرغم أن المشهور من كتب التاريخ التي كتبها المؤرخ المسلم القديم، تعني بالتاريخ السياسي والحربي في المقام الأول؛ إلا أن وعي المثقف المسلم بذاته قد أنتج العديد من المؤلفات التي أرخت لصور الثقافة الإسلامية المختلفة؛ ففي حقل تاريخ التشريع الإسلامي فإن كتب الطبقات التي عنت بالتأريخ والتعريف بأعلام المذاهب مثل (طبقات الشافعية الكبرى للسبكي) هي في واقع الحال تأريخ للتطور الفكري في حقل التشريع الإسلامي وإن كان يعني بمذهب بعينه؛

كما أن المناقشات الطويلة التي احتوت عليها كتب أصول الفقه، والفقه، والفقه المقارن تعكس تطور الأفكار في حقل التشريع الإسلامي، فالمطالع في كتاب مثل (ملخص إبطال القياس لابن حزم) لا يمكنه أن يقطع بإن كان ابن حزم يناقش الأفكار أم يؤرخ لها؛ وعلى هذا فإن موضوع تاريخ التشريع الإسلامي ليس بالموضوع الجديد في الثقافة الإسلامية؛ ولكن ريادة (محمد الخضري) من خلال كتابه المذكور تتحقق في أنه قدم تاريخ، أي أنه كان على وعي بأنه يقدم تاريخ يتناول فيه التشريع الإسلامي، وهو ما استشفه من قوله في تصدير الكتاب «فإني لم أحذ في هذا الكتاب حذو أحد مما سبقني في هذا الموضوع»،

ولذلك ركز على التطور التاريخي للأفكار دون التوسع في تناول هذه الأفكار نفسها، كما ركز دائمًا على البيئة المضيفة لهذه الأفكار بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية، ولم يقع في فخ التعصب للفرقة أو المذهب، فتناول جميع الفرق والمذاهب تناولًا موضوعيًا منهجيًا، كما كان من الشجاعة أن ينتقد الوضع الذي آلت إليه في زمنه المؤسسات العلمية والتعليمية المشتغلة بعلوم التشريع الإسلامي، ولعله قد أراد بذلك أن يكون كتابه حجر في أساس النهضة التي كان يأملها في العهد الذي ألف فيه الكتاب؛ ولهذه الأسباب مجتمعة، فإنه يمكن أن نزعم أن (الخضري) مؤسس تاريخ التشريع الإسلامي في العصر الحديث، وأن من جاء بعده عاله عليه.

كان (محمد بك الخضري) من أبناء (دار العلوم)، عمل بالقضاء زمنًا، وبوزارة التعليم مفتشًا زمنًا آخر، ثم أنتقل للتدريس بالجامعة المصرية، ثم في مدرسة القضاء الشرعي، حيث ألف معظم مؤلفاته والتي منها الكتاب الذي تناولنا اليوم، وكتب أخرى مثل (أصول الفقه)، و(محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية)، كما كان أديبًا، هذب كتاب (الأغاني للأصفهاني) في تسعة مجلدات، كما نقد أفكار طه حسين نقدًا تاريخيًا ولغويًا وأدبيًا في كتابه (نقد كتاب الشعر الجاهلي).

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.