أدب و تراث ثقافة مختارات مقالات

أكلة القرصة: تراث فلسطيني

بقلم: د. هدى عابد

خلال اليومين الماضيين مرّ عليّ عدد كبير من المنشورات عن فتة العجر (اللصيمة، القرصة).

حقيقة استغربت انحدار مستوى الثقافة في هذه المنشورات من قبل من يفترض بهم نشطاء على السوشيال ميديا.. كثير من (اليع) والقرف والاستفراغ وفي المقابل دعوات لتناولها وبين من يتلذذ بها.. كأنها حرب مستعرة.

اولاً: فتة العجر أكلة تراثية (وأضع خط احمر تحت كلمة تراثية يعني يجب احترامها واحترام أصحابها) لدى بدو سيناء وانتقلت إلى جنوب قطاع غزة بحكم القرب المكاني والاختلاط الكبير بين العوائل من نسب وصداقات وزيارات وتجارة وتبادل مصالح.

ثانياً: الأكلة مليئة بالمواد الغذائية المفيدة (وهي قريبة الشبه من الفتوش في مطبخنا الفلسطيني) من البطيخ الأعجر إلى الباذنجان إلى البصل والفلفل والطحينة وخبز القمح وأهم شيء زيت الزيتون.. لا أرى أي مشكلة في هذه التشكيلة من الخضار والمواد.. وإذا الاعتراض على كمية الزيت المستخدمة فعندنا المسخن والمسفن والصفيحة اليافاوية أكلات تقوم على كميات كبيرة من الزيت.. أما إذا الاعتراض على الخبز الذي يدفن في الرمل والنار فهو يغطى بكمية كبيرة من الطحين وعندما يستوي تزال ويؤكل ولا ننسى خبز الطابون والخبز الذي يخبز على الأحجار.. أما إذا الاعتراض على البطيخ الأعجر فهو مليء بالألياف والفيتامينات..

أما إذا كان الاعتراض على إنه الرجال يعملوها بأياديهم.. فلا أعتقد إنه جدتي وجدتك عملت الفتوش بالشوكة والسكين (طبعا قبل ما يترقى الفتوش ويصير بالخبز المقلي)..ألفت الانتباه إنه كل بلد فيها استخدام الايادي بنفس الطريقة.. أهل الأردن يأكلوا المنسف باليد من صينية واحدة وكذلك كل دول الخليج.. تركيا (فاتنة “نشتاء” السوشيال ميديا وبعيداً عن العالم العربي كله) عندهم نوع من الحلويات يجتمع الرجال بنفس منظر اللصيمة ويضعوا أيديهم فيها حتى تتم ثم يأكلوها بالأيدي (اسمها بشمانية)..

ثالثاً: من المخزي وأعتقد من قلة الذوق استخدام الفاظ القرف واليع والنتق عند الحديث عن أي أكل لأنه نعمة من الله واجبة الشكر.. الأكلة ما عاجباك أتركها لأهلها ومحبيها وآكليها..

رابعاً: وهو المؤسف جداً ما ضل عندنا أي قضايا نطرحها ونتحدث عنها بهذا الزخم وبهذا الكم من المنشورات إلا القرصة.. تركنا ضم الضفة ومعاناة أهل القدس والاسرى و و و.. بلاش تركنا قضايانا الاجتماعية من القتل الذي زاد بصورة كبيرة إلى تعذيب الاطفال إلى حرمان النساء من أبناءهن وميراثهن و و و.. بلاش تركنا قضايا العالم كلها من جورج فلويد لقصة الفيل لقصة البنت الباكستانية زهرة..

يا ريت نرتقي قليلا بطرحنا ومنشوراتنا وألفاظنا ونحترم الثقافة والتراث لكل شعب ولكل مكوّن شعب..

ملحوظة مهمة: أنا لا أعرف اللصيمة ولم آكلها ولم أسمع بها إلا من وقت قريب جداً.. ما أثارني كمية الاستهبال على تراث يجب توثيقه والحفاظ عليه حتى لو مش عاجبنا.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.