تاريخ سياسة مختارات مقالات

كيف قامت الأنظمة العرب بتصفية الظاهرتين السياسية والعسكرية الفلسطينية في قطاع غزة

تصفية الظاهرة السياسية الفلسطينية – الحلقة الثانية

بقلم/ د. ناصر الصوير
الباحث والكاتب والمحلل السياسي

=============

ومع دخول الجيوش العربية فلسطين، أدى غياب البعد الإداري الفلسطيني إلى ظهور مشاكل عسكرية وإدارية لهذه الجيوش، كما تسبب في اضطراب الحياة العامة، مما حدا باللجنة السياسية لجامعة الدول العربية لبحث إمكانية إقامة إدارة مدنية مؤقتة في فلسطين، وقد أصدر الأمين العام للجامعة عبد الرحمن عزام في11يوليو1948م، بياناً حمل وعوداً من الجامعة لتحقيق المشروع. في أعقاب الهدنة الأولى عادت الهيئة العربية العليا تطلب من جديد من جامعة الدول العربية ضرورة الموافقة على إنشاء “الإدارة الفلسطينية العامة”، ولإعطاء قوة دفع لهذا الطلب قام جمال الحسيني ممثلاً للهيئة العربية العليا بجولة في بعض العواصم العربية يشرح الفكرة حيث وافقت عليها الدول العربية وهي: مصر، وسوريا، والعراق، والمملكة السعودية ؛ ولكن الأردن ظل محافظاً على موقفه المعارض للفكرة. في ظل الإلحاح الفلسطيني، وتباين المواقف داخل جامعة الدول العربية، جاء اقتراح الوسيط الدولي برنادوت، بإنشاء اتحاد في فلسطين بحدودها التي كانت قائمة أيام الانتداب البريطاني عام 1922 (بما فيها شرق الأردن) مكون من عضوين أحدهما عربي والآخر يهودي، وذلك بعد موافقة الطرفين اللذين يعنيهما الأمر كأساس للمفاوضات وحل القضية. لقي هذا الاقتراح معارضة شديدة من قبل الدول العربية، لخشيتها من مطامع الملك عبد الله في فلسطين، ولمواجهة هذه الاقتراحات بدأ يطرأ تغير على موقف جامعة الدول العربية بشأن المطالبة الفلسطينية .

تشكيل الإدارة المدنية المؤقتة

اجتمعت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية في10سبتمبر 1948م وناقشت المطالب الفلسطينية، والتطورات السياسية، فقررت إنشاء إدارة مؤقتة للفلسطينيين لإدارة شؤونهم. جاء قرار اللجنة السياسية للجامعة العربية، مخيباً لآمال الفلسطينيين، حيث لم يحمل الموافقة على مطلبهم الرئيسي وهو إقامة حكومة فلسطينية، واكتفى بالموافقة على إنشاء الإدارة المدنية التي تختلف كلياً في صلاحياتها عما جاء في المشروع الفلسطيني، فقد كانت هذه الإدارة بالصيغة التي تم الإعلان عنها مجردة من أدنى درجات الاستقلالية في العمل، وربطت ربطاً وثيقاً بالجامعة العربية وبالحكومات العربية لدول مصر، الأردن، سوريا، لبنان، العراق، المشتركة في حرب فلسطين.

وقد نصت المادة الثامنة في المشروع “… إن صلاحيات الإدارة المدنية، يتم تحديدها من قبل مجلس جامعة الدول العربية، والحكومات العربية المختصة…”؛ أما المادة فقد نصت المادة التاسعة “…. قرارات جامعة الدول العربية هي مرجعية الإدارة الذاتية….”.

وبموجب هذا المشروع تؤلف في فلسطين إدارة مدنية مؤقتة من عشرة أعضاء، وتضم سبعة إدارات هي : العدلية، الصحة، الشؤون الاجتماعية، الإدارة العامة، الاقتصاد الوطني، الأمن العام، الدعاية والنشر، على أن يعين مدراء هذه الإدارات بالاتفاق مع جامعة الدول العربية والهيئة العربية العليا. وقد شكلت الإدارة من: أحمد حلمي عبد الباقي رئيساً، جمال الحسيني أميناً عاماً، سليمان طوقان للمواصلات، عوني عبد الهادي للشؤون الاجتماعية، حسين الخالدي للصحة، على حسن للعدلية، رجائي الحسيني للدفاع، ميشال ابكاريوس للمالية، وأمين عقل للزراعة.

أثار تشكيل هذه الإدارة المؤقتة رغم محدودية الدور الموكل لها وعدم فعاليتها كثيراً من التحفظات العربية والفلسطينية، فالملك عبد الله رفض في برقية إلى أحمد حلمي (رئيس الإدارة) السماح لهذه الإدارة بأي نشاط وبأي تدخل في المناطق التي تسيطر عليها قواته؛ وحاولت الجامعة العربية تبديد مخاوف الملك عبد الله، فأرسلت إليه وفداً برئاسة رياض الصلح(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) هو أول رئيس وزراء للبنان بعد الاستقلال، ولد في صيدا بلبنان1894م، تولى رئاسة الوزراء لعدة فترات وكان له أثر كبير في فصل لبنان عن سوريا، اغتيل عام1951م.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في محاولة لإقناعه ولكن دون جدوى. وأمام رفض الملك عبد الله القاطع بدأت مواقف أعضاء جامعة الدول العربية الممثلين في لجنتها السياسية تتغير، نحو التملص من قراراتها، والمماطلة في الإيفاء بوعودها للإدارة، أما الهيئة العربية العليا، فقد وقفت موقفاً معارضاً من الإدارة المدنية، وأصدرت بياناً اتخذت فيه موقفاً متحفظاً من الإدارة الجديدة، واعتبر رئيس الهيئة العربية العليا الحاج أمين الحسيني أن إنشاء الإدارة المدنية محاولة للالتفاف على قيادته للحركة الوطنية الفلسطينية، حيث قال “… هناك من يعمل داخل الجامعة العربية لإرضاء الملك عبد الله وبريطانيا… بما يضر بمصالح الشعب الفلسطيني وقيادته … “(**)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(**) تلقى الحاج أمين الحسيني بتاريخ 11/7/1948م رسالة من أمين الغوري وهو أحد المقربين منه، حمل فيها بشدة على الإدارة المدنية واعتبر قيامها بأنه يضر بتمثيل الهيئة العربية العليا، محذراً من اعتراف الهيئة بها، لأنه يعني سحب الهيئة للشرعية عن نفسها فهي تتمتع بصلاحيات غير ممنوحة للإدارة كالصلاحيات العسكرية والإدارية والسياسية وتمثيل فلسطين خارجياً، مؤكداً أن تعامل الإدارة مع جامعة الدول العربية، يعتبر في حد ذاته إزالة للصبغة التمثيلية والاستقلالية التي تتمتع بها الهيئة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وزاد من تعقيد الأمور والتوتر في جامعة الدول العربية، رفض حكومة الأردن المبدئي لوجود هذه الإدارة، وتهديدها بالانسحاب من جامعة الدول العربية، إذا بقيت الجامعة متمسكة بمشروع الإدارة؛ وهكذا وضع الموقف الأردني جامعة الدول العربية في موقف محرج، فكانت بين اختيارين، إما مشروع الإدارة الذي اقترحته، أو تعريض تماسك الجامعة للخطر، ونتيجة لذلك تم تجميد المشروع ولم يتم تطبيقه على أرض الواقع، وقد ساهم تعرض الجيوش العربية لانتكاسات عسكرية على جهة القتال وسقوط كثير من المواقع المهمة العربية في أيدي اليهود ومحاصرة الجيش المصري في الفالوجا مساهمة كبيرة في لفت الأنظار عن الخلافات السياسية التي سببها مشروع الإدارة المدنية بين الدول الأعضاء في الجامعة العربية. وهكذا تراجعت جامعة الدول العربية، عن قرارها السابق بشأن مشروع الإدارة المدنية، وتركت للفلسطينيين حرية التصرف، والاكتفاء بالإشارة إلى مشروعية أي توجه فلسطيني، واعتباره حقاً طبيعياً، وأعلنت الجامعة عن عزمها الاعتراف بما يقره الفلسطينيون. ومع اقتراب دورة الأمم المتحدة واجتماعاتها الخاصة بشأن القضية الفلسطينية والتي تعقد سنوياً، وجدت الحكومات العربية نفسها مضطرة لإيجاد ممثلين من الشعب الفلسطيني، يتصفون بالشرعية لتمثيل الفلسطينيين، وحضور مداولات الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ وانتهز جمال الحسيني عضو الهيئة العربية العليا، والإدارة المدنية المقترحة، هذه الفرصة للترويج من جديد لمشروع إقامة الحكومة العربية في فلسطين، وحصل على تأييد أغلب الدول العربية باستثناء الأردن الذي رفض سابقاً فكرة تشكيل الإدارة المدنية، وسحب اعترافه بالهيئة العربية العليا التي اعتبرها لا تمثل الشعب الفلسطيني عربياً أو دولياً، وقد تجسد الرفض الأردني جلياً في اجتماعات اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية التي عقدت في سبتمبر1948م. في مقابل هذا الموقف المتصلب من جانب حكومة الأردن، كان موقف الحكومة المصرية والسورية واللبنانية مغايراً، وجاء مؤيداً لمشروع الحكومة الفلسطينية، لاعتقادهم بأن تنفيذه، وإعلان قيام هذه الحكومة والاعتراف بها، سيساهم في تحسين الموقف الفلسطيني أمام الأمم المتحدة. أسفرت الاتصالات التي جرت بين اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية والهيئة العربية العليا، عن الاتفاق على تحقيق فكرة إنشاء الحكومة الفلسطينية، لتكون مسئولة أمام مجلس تمثيلي، كما اتفق الجانبان على أن تصبح الإدارة المدنية التي أعلنت عنها جامعة الدول العربية بمثابة حكومة فلسطين، وتقرر تأليف مجلس وطني يمثل الشعب الفلسطيني، واستغلت الهيئة العربية العليا هذه الأجواء وعقدت اجتماعاً لها في غزة بحضور أعضاء الإدارة المدنية، وقررت إعلان نفسها حكومة للبلاد باسم “حكومة عموم فلسطين” في 22 سبتمبر1948م، ودعت إلى تشكيل مجلس تمثيلي، ونظراً لظروف التشتت الفلسطيني وصعوبة إجراء الانتخابات الحرة لتشكيل هذا المجلس، استعاضت الهيئة عن ذلك بتوجيه دعوات للقيادات، والشخصيات، والفعاليات الوطنية الفلسطينية بمختلف توجهاتها، لحضور اجتماعات المجلس، وذلك لمناقشة أوضاع القضية الفلسطينية على الصعيدين الداخلي والخارجي، ومواجهة إعلان اليهود “إقامة دولة إسرائيل”. ومن مبررات وجود هذه الحكومة أيضاً إيجاد إطار سياسي مقبول يمثل الفلسطينيين في المحافل العربية والدولية، ويرعى شؤون الفلسطينيين داخلياً، ويحافظ على حقوقهم، ولكي تكون هذه الهيئة الجديدة ذات طابع سياسي يحافظ على حقوق الشعب الفلسطيني نشطت الشخصيات الفلسطينية الممثلة في اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية في اتصالاتها مع الملوك والرؤساء العرب، للحصول على اعتراف من جامعة الدول العربية بهذه الحكومة، والموافقة على انضمامها عضواً في جامعة الدول العربية طبقاً لبروتوكول الجامعة الموقع في10 مايو 1945م، كما رأت بعض الشخصيات الفلسطينية أن قيام هذه الحكومة يشكل فرصة لوضع العالم أمام الأمر الواقع، ويضع الشعب الفلسطيني على الخريطة السياسية العالمية من جديد ……. يتبع

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.