تاريخ عروض كتب مختارات مقالات

جيش الشرق

عرض كتاب جيش الشرق

أرشح لكم هذا الأسبوع كتاب (جيش الشرق – الجنود الفرنسيون في مصر 1798 – 1801) من تأليف (تيري كرودي)، وترجمة (د. احمد العدوي)، صادر عن (مدارات للأبحاث والنشر) في (القاهرة) عام 2017؛ وهو ترجمة للكتاب المعنون French Soldiers in Egypt, 1798-1801, The army of Orient الصادر عام 2003 ضمن سلسلة Warrior التي تصدرها دار نشر Osprey اللندنية؛ وهنا يجب الإشارة إلى أن هذه الدار وسلاسلها متخصصة في التاريخ العسكري للعالم، وتصدر عدد من السلاسل مثل Men at Arm وEssential Histories وCampaign.

الكتاب يتناول الغزو الفرنسي لمصر والشام، ولكن في إطار توثيقي أكثر منه تاريخي، إذ يعتمد المؤلف على جمع عدد من شهادات هؤلاء الفرنسيين الذين شاركوا في الغزو، سواء كانوا جنودًا أم كانوا مدنيون، دون تدخل من المؤلف غير ترتيب الشهادات على ترتيب حوادث الغزو؛ وهنا تظهر أهمية الكتاب في نظري للقارئ العربي، فتناول الغزو الفرنسي في الكتابات العربية غالبًا ما يستند إلى الشهادات العربية، والتي غالبًا لا تخرج عن كتابات (عبد الرحمن الجبرتي)؛ (عجائب الأثار) و(مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس)؛ أو كتاب (نقولا الترك) المسمى (ذكر تملك جمهور الفرنساوية الأقطار المصرية والشامية)؛ ونادرًا ما يتطرق الكاتب العربي للمصادر الفرنسية، خاصة تلك الغير رسمية، وهي نفسها المصادر التي يتناولها هذا الكتاب، من خلال شهادات هؤلاء الفرنسيون البسطاء المستضعفين الذي خدعتهم دعاية نابليون، وحشدوا ليستخدموا كآلة لذبح بسطاء مستضعفين مثلهم تمامًا في مصر والشام، كل ذلك باسم الحرية والعدالة والمساواة.

الشهادات التي يعرضها الكتاب تتناول موضوعات مختلفة، منها ما يتناول الأحوال الاجتماعية لمصر وللأفراد الحملة في مصر، ومنها ما يتعلق بالأعمال العسكرية؛ وأكثر ما شدني في هذه الشاهدات أنها تقريبًا عكس كل ما كنا نلقن به في كتب التاريخ المدرسي؛ فلا المماليك جبناء ولا هم هربوا دون قتال، بل يصفهم أعدائهم بأنهم أفضل فرسان في زمانهم وأشجع مقاتلين في العالم، ولكنهم لا يعرفون تكتيكات الحروب الحديثة، ويعتمدون على المجهود الفردي دون الجماعي، كما أنهم يفتقرون لزعيم حقيقي يجتمعون حوله.

أما (القاهرة) تلك المدينة التي صورت لنا مدينة محطمة منسية، يسكنها جماعات أقرب للهمج منهم للمتحضرين، فتلك لعمرك كذبة أخرى، تفضحها تلك الشهادات التي يصف أصحابها (القاهرة) بأنها المدينة التي تصب فيها أنهار التجارة القادمة من أفريقيا والهند وشرق آسيا وتركيا والمغرب، ثم تسيل منها خيرًا عبر البحر إلى المدن الإيطالية؛ أما حمامات (القاهرة) فينظر لها هؤلاء الفرنسيون نظرتهم للأعجوبة الفريدة؛ ولا يتردد هؤلاء الشهود في وصف أعمالهم الحربية وأعمال قمع الانتفاضات بأوصافها الحقيقية، وليست ذلك الوصف المخفف المدون في كتب لم يشارك أصحابها في أهوال الحدث، وهذا الشهادات تتحول إلى شهادات مروعة عندما تتناول مسائل مثل مذبحة الأسرى في (يافا)، والمعاملة الإجرامية التي تلقاها الجنود الفرنسيون المصابون بالطاعون على يد قائدهم، ووقائع الانسحاب الرهيب أمام أسوار (عكا).

الكتاب صغير الحجم سواء نسخته العربية أو نسخته الإنجليزية، ولكنه جذاب وعظيم الفائدة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.