فكر مختارات مقالات

هوسرل بين العقلانيين والتجربيين

هوسرل بين العقلانيين والتجربيين

بقلم: ا. عبدالرزاق بوجعادة – المغرب

لقد قام هوسرل بإنهاء الحرب بين المفكرين والفلاسفة (كما انهاها كانط من قبل “الحدوس الحسية بدون مفاهيم عقلية عمياء، والمفاهيم العقلية بدون حدوس حسية جوفاء) وخاصة بين العقلانيين والتجربيين فما يخص علاقة الذات بالموضوع، باعتبار هذا الأخير حسب العقلانيين لا يمثل أساسا أمنا لتلك الغاية ( المعرفة /الحقيقة) ولا ينبغي له ان يرتقي الى مستوى الذات العارفة، وبمعنى أخر وحسب رأيي أن الموضوع (موضوع المعرفة) يتميز بالتغير والتبديل ولا يمكن أن نضعه نقطة الانطلاق في البحث عن المعرفة اليقينية . . . في مقابل هذا ينددون بالذات باعتبارها مصدرا رئيسيا وأمنا من أجل الوصول إلى المعرفة وامتلاكها، ويمكن اعتبارها هي المركز ونقطة البدء أي نقطة الصفر لترتقي من أجل كسب أعداد أخرى هائلة كما فعل رونييه ديكارت وكما قال سقراط من قبل ايهذا الإنسان أعرف نفسك بنفسك ، فالحقيقة توجد داخلك ولا خارجك”. هذا يعني أن الحقيقة توجد داخل الذات وليس خارجها أي الموضوع، فقط يجب على الإنسان معرفتها والبحث والقبض عليها.

أما التجريبيون الذين يهتمون بالموضوع اي الانطباعات الحسية واعطائه أهمية أكثر من تلك الممنوحة للذات، لتكون الحقيقة مع التجربيين كامنة في الموضوع وليس في الذات، وما هذه الأخيرة سوى صورة أو مرآة عاكسة للموضوع ( د. هيوم) .

استمر هذا الصراع الفلسفي بين هاتين المدرستين داخل إشكالية فصل الذات عن الموضوع، لكن بفضل الفينومينولوجيا لن يعود هناك موضوع من جهة وذات من جهة أخرى، وهذا ما عبر عنه هوسرل في عبارته الشهيرة كل وعي (الذات) هو دائما وعي بشيء ما (الموضوع) ، عوض ديكارت الذي يثبت وجوده دون إعطائه أهمية للموضوع، وكما فعل التجربيين إعطاء الأولوية للتجربة الحسية بدل العقل ويعتبرون العقل صفحة بيضاء والتجربة الحسية هي التي تنقش عليه كل شيء (ج. لوك) . لكن في منظور هوسرل ان موضوع المعرفة وموضوع الذات العارفة لا نستطيع أن نأخد الواحد في ظل غياب الآخر، فالذات والموضوع يوجدان بينهما تشابك قوي من الصعب الفصل بينهما. . .

أليس هذا التشابك والتجانس والربط بين الذات والموضوع هو الذي يعطي معنى للذات بعلاقتها مع العالم، وكذلك يعطي معنى ما يوجد في العالم بعلاقته مع الذات؟

ولهذا فالفينومينولوجيا كمنهج يسعى إلى ربط بين الذات والموضوع بحيث المعنى لا يوجد في العالم بشكل مستقل عن الذات، كما أنه لا يوجد في الذات أو الوعي بشكل مستقل عن العالم. فحصول المعنى يتشكل في الانفتاح عن العالم. . وهكذا فموضوعات الإدراك والتفكير لا توجد بشكل موضوعي خالص، كما أنها لا توجد بشكل ذاتي خالص، بل توجد كما يقول هوسرل في العلاقة التي يقيمها الانسان مع العالم، ومن خلال هذه العلاقة يتم التفكير في المعنى، معنى الأشياء ومعنى الحياة الإنسانية في ماهيتها السابقة على كل معرفة وإدراك. . وهي معاني تعطى الإنسان في حياته المعيشية اليومية. لهذا كان المسعى الذي تسعى إليه الفينومينولوجيا في دلالتها العامة كان موجها نحو استرجاع الماهية الكامنة وراء الأشياء والحاضرة في التجربة التي يكونها الإنسان عنها، لهذا كان المبدأ الأساسي لهذا المنهج هو الدعوة الى “الرجوع إلى الأشياء ذاتها” أي الرجوع إلى أصولها الحدسية، والعودة إلى ماهيتها القبلية.

 

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.