تاريخ سياسة مختارات مقالات

فلسطين بين ذكرى النكبة والنكسة

بقلم/ هبة داودي – الجزائر

لعل شهري ماي وجوان من اكثر الشهور رمزية بالنسبة لفلسطين الجريحة، فإذا كانت النكبة التي تعود إلى 72 سنة خلت، أفرزت ميلاد كيان بشري غريب محتلا وغاصبا في قلب الأمة الاسلامية والعربية في فلسطين، أدى إلى تهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين، فإن تاريخ النكسة المصادف لما يعرف بحرب جوان 1967، وقبل 53 سنة، والحرب التي نشبت في هذا التاريخ، وسميت بنكسة 67، أدت إلى احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان، وتهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين من الضفّة، وهروب سكان محافظة القنيطرة السورية، إلى جانب إخلاء مدن قناة السويس المصرية، كما كان من نتائجها فصل الضفة الغربية، بما في ذلك مدينة القدس عن السيادة الأردنية، وفتح باب الاستيطان في القدس الشرقية والضفة الغربية، وتغيير ملامح الخريطة في المنطقة، والتي لا تزال تبعاتها قائمة إلى يومنا هذا.

فما شهدناه بعد ذلك من ضم الكيان المحتل للقدس، بتاريخ رمزي، بدعم من ادارة الرئيس الامريكي ترامب في 14 ماي 2018، حين تم نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب الى القدس المحتلة، والجولان بقرار أمريكي أيضا، وما إلى ذلك من مساعي حثيثة لتنفيذ خطط ضم الأغوار ومستوطنات الضفة الغربية، يعني أن تداعيات الحرب ما تزال مستمرة، وأن الفلسطينيين والعرب لازالوا يدفعون ثمن الهزيمة، خاصة أن تاريخ النكسة اليوم، عكس حالة من التردي والخنوع والركوع الكبيرين، وتجلى ذلك بمظاهر هرولة أنظمة عربية وتسابقها للتطبيع مع الكيان المحتل، والانخراط في ترتيبات إقليمية جديدة، تسويقا لها، أعطيت تسمية جديدة عرفت ب”صفقة القرن”، تحت شعار جديد هو المال مقابل السلام، ليستبدل شعار الأمس “الأرض مقابل السلام”.

وقد وجه مندوب فلسطين الدائم لدى الأمم المتحدة، رياض منصور، ثلاث رسائل، إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس مجلس الأمن لهذا الشهر، فرنسا، ورئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، بشأن استمرار أزمة الحماية وتدهور الوضع على الأرض، نتيجة مواصلة احتلال الكيان للأراضي الفلسطينية، والسلطة القائمة بالاحتلال، بتجريد الشعب الفلسطيني من إنسانيته واحتلال أرضه، والتنصل من كافة العهود والمواثيق، بتواطؤ من البعض، وتخاذل من البعض الآخر.

وفي وقت أعلن فيه الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن، بأن الطرف الفلسطيني أضحى في حِل من كافة الاتفاقيات والتفاهمات، مع الحكومة الأمريكية وحكومة الكيان المحتل، وأن ضم الأخير لأجزاء من الضفة الغربية يمثل إلغاء لاتفاق أوسلو الموقع عام 1993، وأنه لم يعد مقبولا لدى الجانب الفلسطيني بالولايات المتحدة وحدها راعية للمفاوضات، طالب بوجود طرف ثالث على الحدود بين الكيان المحتل وفلسطين، وبمفاوضات بمشاركة أطراف متعددة، خاصة وأن ادارة الرئيس الأمريكي الجمهوري دونالد ترامب، حولت واشنطن من دور المسهل والوسيط إلى دور الطرف الداعم مباشرة للكيان.

فلسطين التي تعاني الاستيطان والضم، تئن تحت وطأة الظلم و التعسف و انتشار فيروس كورونا، في ظل صمت مطبق للمجموعة الدولية وللعرب الذين لم تعد فلسطين بالنسبة اليهم قضية مركزية، بقدر ما هي تجارة رائجة للتسويق السياسي، هذا التخاذل أطلق العنان لحكومة الكيان المحتل، بغض النظر عن الانتماءات السياسية، سواء كانت من الليكود اليميني أو من ائتلاف اليمين واليمين المتطرف واليسار، مع حزب أزرق ابيض والاحزاب الدينية، من أجل تصعيد جرائمها ضد المدنيين الفلسطينيين، بالتوازي مع الخطوات الملموسة التي تتخذها السلطة القائمة بالاحتلال على أرض الواقع، لتنفيذ خططها، من أجل ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية المحتلة، بما في ذلك غور الأردن والأراضي التي أقامت عليها المستوطنات والجدار، في انتهاك خطير للقانون الدولي، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية جنيف الرابعة، إلى جانب العديد من قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة.

وفي ظل التساؤلات المطروحة حول ما إن كانت الضفة الغربية تشهد استكمالا لزحف الكيان المحتل أو فصلا عنصريا، تتواصل معاناة الشعب الفلسطيني، ومعه بعض البيانات المنددة بقرار الضم، التي أطلقتها ثلة من الأنظمة العربية، التي هي نفسها من هرولة للتطبيع مع الكيان المحتل، في مجالات عدة، بل وهي تلك التي ظلت صامتة أثناء نقل ترامب السفارة إلى القدس المحتلة، إلى جانب كل قراراته التعسفية ضد فلسطين..

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.