تاريخ سياسة مختارات مقالات

الحرب المنسية

الحرب المنسية

وحتى لا تنسوا أيها المتباكون لاطمي الخدود
تذكروا جيشكم بالخير

بقلم/ أ. مصطفى رحمة – مصر

ولأننا بلد يهوى إجترار الأحزان، ففي كل عام من شهر يونيو يحمل نفر منا سوطا ليلهب به ظهورنا، بينما تتم مراجعات في إسرائيل بين العقلاء، فقد تأذوا بالحروب التي نالت الهزيمة منهم وأخذوا نصيبا، ولنا في أبطالنا مآثر، أدخلوا على اليوتوب وشاهدوا بأنفسكم شهادات قادتهم ماذا فعل المصريون بحرب الإستنزاف ، بعدما أحالوا أيامهم إلى جحيم، ولا يعرفوا من أين سيأتيهم موت محتمل في كل وقت وبأي وقت.

وهنا أذكركم بحرب إنتصرنا فيها ، فهناك دول عظمى هُزمت ومن ركام الهزيمة تحقق لهم ما أرادوا وأصبحوا والدول الكبرى سواء.

الحرب المنسية أو تناسيناها عمداً، حرب الثلاث سنوات التي يجب أن نفخر بها ، فقد سطر شبابنا أروع الصفحات، بل حققوا اساطير إن جاز التعبير ، لا أدري من ذلك الشيطان الذي عمد إلى أن ننساها، فقد اعترف المؤرخين والقادة الإسرائيليين بهزيمتهم فيها ، راجعوا كم الأرشيف المتواجد على السوشيال ميديا واحكوا لأولادكم بديلا عن حكاية الهزيمة التي أدمنتوها !

حرب الإستنزاف حققنا فيها إنتصارات لا مراء في ذلك، تلك التي بدأناها فى الساعة الثامنة والنصف مساء يوم 1يوليو 67 أي بعد الهزيمة بشهر ، ولمدة ثلاث سنوات ، بدأت بملحمة (رأس العش) التي هاجمتها إسرائيل بجيش جرار مدعم بالطائرات الحربية، ولم تتمكن منها، دافع عنها مجموعة من ضباط وجنود رجال الصاعقة على مدى أربعة أيام من صد هجوم العدو المدرع بسرية دبابات ومنعتها من التقدم بل وكبدت العدو خسائر فادحة فى المعدات والأرواح، ورفعت هذه المعركة الروح المعنوية لقواتنا المسلحة.

بعدها بعدد من الشهور فاجأ المصريون العالم بعمل بطولي آخر أحدث دوياً ، فكيف لأُمة مهزومة أن تحارب وتحقق انتصارات على عدو منتشي بأنتصار حققه منذ عدة أسابيع فقد، فقد ‎تم إغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات يوم 21 أكتوبر/تشرين الأول 1967، بعد أشهر قليلة من النكسة.

وكانت تلك العملية هي أول عملية عسكرية بحرية في التاريخ يتمكن فيها زورق صواريخ مصري صغير من إغراق مدمرة كبيرة مثل المدمرة إيلات.

وأسفرت تلك العملية عن سقوط 47 قتيلا إسرائيليا، وإصابة 91 شخصا، تم إنقاذهم من قبل الزوارق الإسرائيلية التي هرعت إلى موقع تدمير “إيلات”.

وقبل أن يغادرنا ناصر بشهور، إنتصر جنودنا ولم يمكّنوا الإسرائيليين من احتلال جزيرة شدوان الصغيرة بطائراتهم وقذائف مدفعيتهم ، استبسل ودافع عنها نفر قليل من الجنود !
كان هناك مجموعة صغيرة من الصاعقة المصرية البحرية والبرية لحراسة الفنار الذي يقع جنوب الجزيرة، ورغم اعتراض الطائرات الإسرائيلية جوا و”قواربها” بحرا. واستمر القتال بين كتيبة المظلات الإسرائيلية وأفراد الصاعقة المصرية الذين خاضوا المعركة ببسالة وأحدثوا خسائر جسيمة بقوات العدو، كما تمكنت وحدات الدفاع الجوي المصري من إسقاط طائرتين للعدو، من طرازي “ميراج” و”سكاي هوك”.

اعترف العدو بهزيمته في حرب الاستنزاف ، فقد قال عنها الجنرال عزرا وايزمان الذى كان وزيرا للدفاع الإسرائيلى ثم رئيسا للدولة، ففى كتابه «النسور الزرقاء» قال: «إن حرب الاستنزاف التى سالت فيها دماء أفضل جنودنا، مكنت المصريين من اكتساب حريتهم على مدى ثلاث سنوات للتحضير لحرب أكتوبر العظمى فى عام 1973، وعلى ذلك فإنه سيكون من الغباء أن نزعم أننا قد كسبنا حرب الاستنزاف، وعلى العكس من ذلك، فإن المصريين- بالرغم من خسائرهم- هم الذين حصلوا على أفضل ما فى هذه الحرب، وفى الحساب الختامى، سوف تذكر حرب الاستنزاف على أنها أول حرب لم تكسبها إسرائيل،

يحسب لناصر إنه لم يجلس على طاولة مفاوضات ولم يتنازل ولم يهادن ، رغم رغبة إسرائيل الشديدة لأن يفعلها وهي المنتشية بنصرها ، بل وحارب بعدها مباشرة ، وقال قولته الشهيرة:

(ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة).

وقد ذهب اديب فرنسا العظيم أندريه مارلو، وهو يعقد مقارنة بين نابليون وجمال عبدالناصر، إلى أن ” المسألة ليست هي النصر العسكري أو الهزيمة العسكرية. المسألة هي إرادة الأمة وتقديرها للبطل الفرد حين تجد نفسها فيه. ولقد وجدت أمتكم نفسها في جمال عبدالناصر، كما وجدت أمة فرنسا نفسها في نابليون.. مع اختلاف الظروف، وهذا هو ما يبقى.. وغيره تكنسه الأيام”.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.