عروض كتب فكر مختارات مقالات

في صحبة الفلسفة: تاريخ الفلسفة للمبتدئين

كتاب كل يوم جمعة (33)
في صحبة الفلسفة (2/4)
تاريخ الفلسفة للمبتدئين

بقلم: ا. وسام محمد – مصر

لا زلنا في صحبة الفلسفة. في الأسبوع الماضي صحبناكم إلى عالم صوفي، حيث الفلسفة قصة لذيذة تدور أحداثها في عالم خيالي مدهش، وهذا الأسبوع نأخذكم إلى حجرة درس الفلسفة مع واحد من رواد الفلسفة العربية في القرن العشرين وأوائل من تصدروا لتدريسها في الجامعات المصرية، يوسف كرم، لنستعرض كتابه (تاريخ الفلسفة للمبتدئين)، وهو كتاب وضعه ليجمع فيه تاريخ الفلسفة، ويقدمه للقارئ المبتدأ والغير متخصص، فتراه يقدم تاريخ الفلسفة تقديمًا عامًا، كما يعرض الأفكار الفلسفية عرضًا مبسطًا دون إخلال، ولعله أراد بذلك أن يكون كتابه هذا بديلًا لمن لا يدرس الفلسفة عن ثلاثيته التاريخية، التي سوف يأتي ذكرها في ترجمته لاحقًا، والتي جعلها للدارس المتخصص.

الكتاب في مقدمة، وثلاثة أبواب؛ فأما المقدمة فقد خصصها المؤلف لبيان مفهوم الفلسفة ومجالها ومن أين أتى المسمى؛ ثم ينتقل إلى إرهاصات الفلسفة في الحضارات السابقة على اليونان، فتراه يستعرض أراء العراقيين والمصريين والهنود والصينيين في الوجود ومصير الإنسان والأخلاق، ثم يبين أنه رغم أن كثير من هذه الموضوعات فلسفية في جوهرها، إلا أنه قد غلب على تناول هذه الحضارات لها التناول الشعري أو الرمزي.

الباب الأول مخصص للفلسفة اليونانية، ويعرض فيه المؤلف إلى تاريخ الفلسفة اليونانية في خمسة فصول؛ الفصل الأول يتناول فيه تأسيس الفلسفة وجهود الفلاسفة ما قبل السقراطيين أبناء المدرسة الملطية وأتباع فيثاغورث والايليون؛ ثم يتناول في الفصل الثاني ظاهرة السفسطائيين وكيف أفسدوا الفلسفة وتمرد سقراط عليهم ودحرهم على يديه، ويفرد مساحة واسعة من الفصل لبيان شخصية سقراط وكيف صنعت أفكاره الفلسفة كما نعرفها؛ ثم يؤرخ لتلميذ سقراط النجيب أفلاطون في الفصل الثالث، ويبسط للقارئ نظرياته مثل نظريته في المثل وجمهوريته الخيالية؛ لينتقل في الفصل الرابع إلى أرسطو ويتوسع في تاريخ وعرض أفكاره لما له من أثر في مجمل تاريخ الفلسفة؛ بينما يوقف الفصل الأخير، الفصل الخامس على التأريخ لصغار الأرسطيين وانحدار الفلسفة اليونانية.

الباب الثاني موضوعه تاريخ الفلسفة في العصور الوسطى، وقدمه المؤلف في فصلين؛ الفصل الأول عن الفلسفة المسيحية في العصور الوسطى، وهو فصل قصير يتناول فيه تأثير الفلسفة اليونانية على الأفكار المسيحية في هذا العصر من خلال تأثيرها على القديس أوغسطين، ثم دخول أرسطو إلى تيار الفكر المسيحي عقب ترجمة مؤلفاته وشروحها من العربية عن ابن رشد؛ ثم يلحق ذلك الفصل الثاني والمتعلق بتاريخ الفلسفة الإسلامية في العصور الوسطى، وهو مبحث كان في مبتدأه في الوقت الذي كتب فيه كرم كتابه هذا، إذ جرت تقاليد الكتاب الأوروبيين المأخوذين بالمركزية الأوروبية بتجاهل الفلسفة العربية الإسلامية، ولكن يوسف كرم يقدم تاريخ مستفيض لهذه الفلسفة، فتراه يقدم تيارات الفكر الفلسفي الرئيسة في العالم الإسلامي ممثلة في المتكلمين والصوفية والفلاسفة، مبسطًا أفكارهم ونظرياتهم، ثم يخص كبار الفلاسفة كالفارابي وابن سينا بترجمات وافية، ويختم هذا الفصل بتأثير الفلسفة الإسلامية على الفلسفة الدينية لليهود الذين عاشوا في ظل الإسلام.

الباب الثالث خصصه المؤلف للفلسفة الحديثة وجعله في ستة فصول؛ فأما الفصل الأول فقد خصصه لعرض الظروف التاريخية التي استعادت فيها الفلسفة مكانتها في أوروبا، فتراه يقدم تغيرات المجتمعات الأوروبية وتأثير حركة الإصلاح الديني على المزاج العام ودور الجامعات الناشئة في نشر الفكر الفلسفي؛ ثم يعرض في الفصل الثاني إلى تأسيس المنهج التجريبي على يد بيكون؛ لينتقل في الفصل الثالث إلى ديكارت وفلسفته وأثر ولعه بالرياضيات على منهجه وأهم أفكاره الفلسفية ونظرياته؛ وفي الفصل اللاحق، الفصل الرابع، يعرض لهؤلاء الفلاسفة الذين تأثروا بديكارت مثل اسبينوزا وملبرانش وليبنينتز؛ أما الفصل الخامس فيتناول فيه الفلسفة الإنجليزية في القرنين السابع عشر والثامن عشر من خلال أهم فلاسفة الإنجليز هذه الفترة هوبس ولوك وبيركلي وهيوم؛ ثم يختم هذا الباب بفصل طويل يخصصه لإمانويل كانت باسطًا منهجه ونظريته في المعرفة والأخلاق، متوقفًا عند تأثيره على من لحقه.

يؤخذ على المؤلف أنه على الرغم أنه قد ألف هذا الكتاب في القرن العشرين، إلا أنه توقف بتاريخ الفلسفة عند مطلع القرن التاسع عشر، وأهمل فلاسفة ذلك القرن على الرغم من عظم تأثيرهم؛ كما أنه على الرغم من مقدمته التي تناول فيها الفكر الفلسفي في الحضارات السابقة على اليونان، وإشادته بالفلسفة الإسلامية، لا يزال تاريخًا فلسفيًا خاضعًا للمركزية الأوروبية بمعناها الجغرافي الضيق كما فُهِمَ في القرن التاسع عشر، فتراه يغفل الفلسفة الأمريكية والروسية إذ أن كلتيهما ثقافتان هامشيتان وليستا ضمن المتن.

الكتاب لم أعثر له إلا على طبعة وحيدة صادرة عن (مكتبة المتنبي) دار النشر السعودية المعروفة، وهي الطبعة التي تظهر في الصورة.

المؤلف يوسف كرم، من أهم شخصيات الفلسفة العربية في القرن العشرين؛ ولد في مدينة طنطا المصرية عام 1886 لأبوين لبنانين مهاجرين، درس في السوربون حيث حصل على دبلوم عال في الفلسفة، ثم عاد إلى مصر عقب الحرب العالمية الأولى، وبقي في عزلة إذ عرف بانطوائية الشديدة، حتى عرف عنه طه حسين من أحد المعارف المشتركين وعرف علمه ومقامه، فأتصل به وطلب منه التدريس في الجامعة المصرية إذ أنها بحاجة لمن هو مثله، وبالفعل التحق كرم بالجامعة المصرية وعمل مدرسًا للفلسفة بجامعتي القاهرة والإسكندرية، وأخرج العديد من الدراسات العلمية والمؤلفات القيمة، وتتلمذ على يده عدد كبير ممن لمعوا فيما بعد في سماء الفلسفة؛ وإضافة إلى كتابه المذكور فيدين له دارسي الفلسفة بالكثير لتأريخه للفلسفة وأفكارها في ثلاثة أجزاء هي (تاريخ الفلسفة اليونانية) و(تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط) و(تاريخ الفلسفة الحديثة)؛ كما قدم أفكاره الفلسفية للقارئ العربي في كتابيه (العقل والوجود) و(الطبيعة وما بعد الطبيعة)؛ ونقل للعربية بطلب من طه حسين محاضرات الفيلسوف الفرنسي الكسندر كوارييه عن فلسفة ديكارت والتي ألقاها في جامعة القاهرة في احتفالها بمرور ثلاثة قرون على صدور مقال ديكارت في المنهج، وجمعها في كتاب بعنوان (ثلاث دروس في ديكارت)؛ أما كتابه الدراسي الذي ألفه بالمشاركة مع إبراهيم مدكور والمسمى (دروس في الفلسفة) فلا يزال إلى اليوم يمثل مدخلًا لدراسة الفلسفة لكثير من مريديها ودارسيها؛ وقد توفي يوسف كرم في القاهرة عام 1959.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.