فكر مختارات مقالات

في صحبة الفلسفة: عالم صوفي

سلسلة كتاب كل يوم جمعة (32)
في صحبة الفلسفة (1/4)
عالم صوفي

بقلم: ا. وسام محمد – مصر

هذا الشهر سوف نمضي في صحبة الفلسفة، وسوف نعرض أربعة كتب نحسبها باب لتعريف القارئ بالفلسفة، وربما تصلح منهجًا لمبتدأ يريد أن يرتاد عوالم الفلسفة الغامضة والمدهشة، وسوف أعرضها مرتبة الأبسط إلى البسيط، ولن أتعرض لما هو فوق هذا المستوى.

ولما كنت قد ألزمت نفسي بالتدرج من الأبسط إلى البسيط، فإن أبسط ما يقرأ في الفلسفة هو رواية (عالم صوفي) للكاتب النرويجي (يوستين جواردر)، ولي مع هذه الرواية قصة، فأول مرة صادفت ترجمتها العربية في أحد معارض الكتب قرأت على غلافها عبارة (رواية حول تاريخ الفلسفة)، فسألت نفسي «كيف تكون رواية عن تاريخ الفلسفة، أعرف الرواية التاريخية، وأعرف بعض الروائيين ممن لهم ميل في التفلسف في كتابتهم، ولكن رواية عن تاريخ الفلسفة!!؟؟»، وهكذا حملني الفضول على أن أجد نفسي عائدًا للمنزل وفي صحبتي صوفي وعالمها.

المشكلة عند عرض رواية هو أن تحذر من أن تحرق الأحداث لمن تعرضها له وترجو أن يقرأها، لذلك فإنني سوف أكتفي برسم الملامح العامة للرواية. الرواية بشكل عام تحكي تاريخ الفلسفة وتستعرض مراحلها المختلفة، وأهم الفلاسفة، وتعرض أفكارهم، وكيف تفاعلوا مع أفكار غيرهم من الفلاسفة، وكيف أسهمت الفلسفة عامة ورجالها تفصيلًا في دفع الحضارة إلى الأمام، ولكن الروائي لا يقدم هذا العرض في صورة سرد تاريخي تقليدي، ولكن من خلال قصة غامضة عن (صوفي) الفتاة المراهقة التي تتلقى رسالة من مجهول قبل عيد ميلادها يخبرها فيها أنه سوف يدرس لها الفلسفة، فيما بعد نكتشف لهذا المجهول اسم وهو (ألبرتو كنوكس)؛ تقودها الرسالة إلى اكتشاف رابط غامض يربط بينها وبين فتاة أخرى أسمها (هيلدا)، أبيها (ألبرت كناج) ضابط في قوات حفظ السلام في لبنان، وتنتظر عودة أبيها بشغف ليحتفل معها بعيد ميلادها، الذي يوافق عيد ميلاد (صوفي)؛ وفي رحلة (صوفي) في عالم الفلسفة برفقة (كنوكس)، تلتقي بالعديد من الفلاسفة، ولكن في جو مغرق في السحر، حيث تصحبها في كثير من الأحيان كائنات غامضة تبدو وكأنها قد أتت من قصص الأطفال المشهور، من قصص الأخوة جريم وإلى أفلام كارتون ديزني؛ وفي خلفية الأحداث نجد دائمًا (كناج) الحاضر الغائب، فهو غائب عن القارئ وعن صوفيا بذاته، ولكنه دائمًا ما يتدخل في الأحداث، ويفرض على (صوفي) ومعلمها (كنوكس) اختياراته الخاصة التي لا يستطيعان أن يتخلصا منها؛ تنتهي الرواية نهاية لا يمكن توقعها، وتنكشف حقيقة كل الأبطال أمام أنفسهم وأمام القارئ بطريقة مدهشة ومثيرة.

الرواية جذابة، وإذا بدأت صفحتها الأولى فإنك غالبًا لن تدعها حتى تصل لصفحتها الأخيرة، ولكن يؤخذ على الروائي بعض مآخذ، منها أنه أقتصر على الفلسفة الغربية، فلا تراه يعرض للفلسفات الآسيوية، اللهم إلا بعض إشارات بسيطة إلى تشونج تسوي وبوذا، بينما لا يكاد يذكر الفلاسفة المسلمين إلا في شذرات يسيرة متناثرة، وهو ما يعكس وقوع المؤلف فريسة لنزعة المركزية الأوروبية التي ترى أن العالم وتاريخه وفلسفته عالم أوروبا وتاريخها وفلسفتها وغيرها لا شيء.

هناك عدة طبعات وترجمات مختلفة للرواية، أفضل الطبعات هي تلك التي قدمتها دار المنى النرويجية المتخصصة في النشر باللغة العربية، والترجمة لـ (حياة الحويك)، وهي ترجمة أفضل بكثير من الترجمات العربية الأخرى، وإن كان يعيبها أحيانًا افتقادها للروح، فتبدو نصًا باردًا جامدًا، كما أن المترجمة لم توفق في بعض المواضع، ابتداء من استبدالها حرف بآخر في اسم المؤلف المكتوب على الغلاف جوستين في حين أنه في اللغات الشمالية ينطق حرف J ياء، وبالتالي فإن اسم المؤلف في لغته الأصلية يوستين، وكذلك استخدامها لفظ غير دقيقة في غير موضع مثل استخدامها نقيب للدلالة على عمل والد (صوفي) القبطان البحري، فخلطت ما بين الرتبة العسكرية والمسمى الوظيفي إذ أن كلاهما في اللغات الأوروبية Capitan، كما أنها في بعض الأحيان تلجأ إلى إعادة تسمية بعض الشخصيات بما يناسبها في ثقافتها الخاصة، فمثلًا هناك شخصية تسميها المترجمة قدر الندى، وبالتالي تحار في فهم مقصد الكاتب إذ أن اسم الشخصية يرتبط بحكايتها الشخصية، ثم تكتشف أن هذه الشخصية هي بياض الثلج أو Snow white، ولكن بصورة عامة فالترجمة مفهومة وواضحة وجيدة نوعًا ما.

مؤلف الرواية، (يوستين جواردر)، نرويجي ولد في مدينة أوسلو عام 1952 لأبوين يعملان معلمين، كما عمل هو نفسه معلمًا بعد نيله إجازته الجامعية في اللغات السكندنافية عام 1976، وبدأ صيته في الذيوع في بلاده في منتصف ثمانينات القرن العشرين، حيث اشتهر بكتاباته الموجهة للمراهقين والأطفال، ولكن شهرته العالمية ولدت بعدما نشر روايته التي نعرضها اليوم، رواية (عالم صوفي) عام 1991، وهي الرواية التي ترجمت فيما بعد إلى ما يزيد عن خمسة وثلاثين لغة، كما طبع منها ثلاثين مليون طبعة حول العالم. ينشط (يوستين جواردر) في مجال البيئة وفي مجال حقوق الإنسان عامة، وله مواقف مشهود في مناصرة الحق العربي الفلسطيني.يوستين جواردر

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.