فكر مختارات مقالات

في صحبة الفلسفة: مدخل جديد إلى الفلسفة

سلسلة كتاب كل يوم جمعة – ج34
في صحبة الفلسفة (3/4)
مدخل جديد إلى الفلسفة

بقلم: ا. وسام محمد

في الأسبوعين الماضيين قدمنا كتابين تناولا الفلسفة تاريخيًا من خلال عرض أشهر أعلامها ومدارسها، وكيف تطورت منذ أن أقدم عصورها؛ اليوم ولا زلنا في صحبة الفلسفة، نقدم كتاب ثالث هو بمثابة مقدمة لدراسة الفلسفة نفسها وموضوعاتها، وهو كتاب (مدخل جديد إلى الفلسفة) للدكتور عبد الرحمن بدوي، وقد بين بدوي هدف كتابه من خلال العنوان الفرعي (دراسة لآخر الآراء حول حدود الفلسفة وغاياتها ومنهجها وعرض لأهم مشاكلها، الوجود، والمعرفة، والإلهيات)، فبدوي في هذا الكتاب يقدم مدارس الفكر الفلسفي تبعًا للموضوعات الرئيسة في الفلسفة، كما أنه لا يسعى إلا عرض التطور التاريخي لهذا الفكر، ولكن يهدف إلى عرض صورته في عصره.

الكتاب مقسم إلى خمسة أقسام. القسم الأول عنوانه ما هي الفلسفة؟ وقد خصصه بدوي ليكون مدخلًا للكتاب، لذلك تجده مقسم إلى ثلاثة فصول، في الفصل الأول منها يبحث تعريف الفلسفة ويناقشها هذا التعريف لدى عدد من أعلام الفلسفة؛ ثم يقوم بنقد هذه الآراء في الفصل الثاني ويقدم تصوره لما هي الفلسفة، وهو التصور الذي سوف يبني عليه بقية أقسام الكتاب؛ بينما يأتي الفصل الثالث والختامي من هذا القسم لبيان وحدة موضوع الفلسفة وتعدد المناهج والمدارس التي تتناول هذا الموضوع، مستعرضًا أهم تباينات هذه المدارس.

القسم الثاني من الكتاب موضوعه نظرية المعرفة؛ ويؤسس في الفصل الأول من هذا القسم لمبحث المعرفة في الفلسفة، ويناقش المنهج العلمي، ومن ثم يبحث في قيمة المعرفة؛ ثم ينتقل في الفصل الثاني إلى مفهوم الحقيقة وما هي، وكيف يمكن أن تنشأ الحقيقة، سواء كانت عقلية أم وجدانية. ويعتبر هذا القسم مهم لأنه بناء على فهم كيفية حدوث المعرفة سوف يقدم بدوي في الفصول اللاحقة نقاشه حول معرفتنا بالوجود وبالإلهيات.

القسم الثالث من الكتاب موضوعه نظرية الوجود، ويضم خمسة فصول تناول فيها مفهوم الوجود في الفصل الأول مقابل مفهوم العدم في الفصل الثاني، ثم ناقش العلاقة بين وجود الشيء وتصور ماهيته في الفصل الثالث، بينما أوقف الفصل الرابع والفصل الخامس على مفهومي المكان والزمان بالترتيب، وكيف يسهم كلًا منهما في تغيير إدراكانا للوجود.

القسم الرابع موضوعه الإلهيات، وقد خصصه لمناقشة أهم المسائل الميتافيزيقية وهي وجود الله عز وجل، ولذلك فقد قسم الفصل إلى فصلين، جعل الفصل الأول منها بمثابة مقدمة تناول فيها أهمية البحث الفلسفي في مسائل الإلهيات وكيف تشكل هذه المسائل موضوع رئيس من موضوعات الفلسفة؛ ثم ينتقل في الفصل الثاني إلى عرض الحجج المتعلقة بوجود الله، والتي يقسمها إلى حج وجودية وكونية وغائية وأخلاقية، ويناقش كل واحدة منها، ثم يختم مناقشته لهذه الحجج بالحجة الأحدث القائمة على فكرة الحرية.

القسم الخامس والأخير من الكتاب، ويعنونه بدوي (نماذج من فلسفات العلوم الجزئية)، ويخصصه لعرض البحث الفلسفي في بعض الموضوعات الهامة ولكنها ليست بالأساسية، فيخصص فصلًا لفلسفة اللغة، وفصلًا آخر لفلسفة التاريخ.

كان هذا الكتاب في التسعينات أحد مقررات القراءة في أندية القراءة والحلقات الطلابية، لأنه مؤلفه ركز على موضوعات الفلسفة الرئيسة، ولم يتوسع في عرض الأفكار التاريخية ونقدها الأمر الذي كان يجهد القارئ الغير متخصص وربما أصابه بالملل، كما أن يركز على تناول هذه الموضوعات في المدارس الفلسفية المعاصرة والحية؛ أما أهم ما ميزه فهو أن مؤلفه كان على الرغم من تناوله الفلسفة الحديثة، إلا أنه حافظ على هويته الحضارية، وهو الأمر الذي تشعر به بوضوح في القسم الذي خصصه للإلهيات بالذات؛ ولكن يؤخذ عليه تركيزه على المدارس الفلسفية الأوروبية بالأساس، إن كان مر مرور الكرام على بعض الفلاسفة من غير القاريين في بعض المواضع، كما تجاهل في كثير من الأحيان المدرسة الماركسية وتفريعتها على الرغم من تأثيرها الكبير في الزمن الذي كتب فيه هذا الكتاب.

المؤلف الدكتور عبد الرحمن بدوي من أعلام الفلسفة العربية في القرن العشرين، وأحد أغزر المؤلفين كتابه وتأليف وترجمة في الفلسفة، عرف عنه موقف صلب في مواجهة من آمن أنهم أنظمة قمعية، كما اشتهر بنقده القاسي والفاضح للمجتمع الثقافي العربي، وعلى الرغم مما لحق به من أذى، إلا أن تأثيره العميق في العقل العربي المعاصر أجهض كل محاولات تهميشه وتشويهه؛ له إلى جانب كتابه هذا العديد من الكتب المهمة مثل (مذاهب الإسلاميين) و(شخصيات قلقة في الإسلام)؛ إلى جانب ترجمته لعيون الأدب الألماني مثل (الديوان الشرقي) و(فاوست).

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.