تاريخ سياسة مختارات مقالات

تصفية الظاهرة السياسية الفلسطينية

كيف قامت الأنظمة العربية بتصفية الظاهرتين السياسية والعسكرية الفلسطينية في قطاع غزة ؟

أولاً/ تصفية الظاهرة السياسية الفلسطينية
“الحلقة الأولى”

بقلم/ د. ناصر الصوير
الباحث والكاتب والمحلل السياسي

من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الإدارة المصرية كانت قد باشرت أعمالها في قطاع غزة قبل قيام حكومة عموم فلسطين، وتحديداً عندما وصل نائب الحاكم الإداري العام المصري في 27/5/1948م، ومعه عدد من ضباط سلاح الحدود الملكي المصري وعدد من الموظفين المنتدبين للإدارات المدنية في القطاع، فتولى الضباط أعمال الأمن والإدارة ومتابعة الحاجات الفنية للقوات المحاربة، وتولى الموظفون المدنيون الإشراف على الإدارات المدنية، وصدر قرار وزير الحربية والبحرية المصري بأن يخول الحاكم العام جميع السلطات والاختصاصات التي كانت مخولة للمندوب السامي البريطاني في قطاع غزة، وهكذا انتهت كل السلطات غير المصرية في قطاع غزة وهو ما ينطبق على حكومة عموم فلسطين التي لم تعد ذي بال في قطاع غزة أو في الضفة الغربية حيث ضم الملك الأردني عبد الله الضفة الغربية للأردن، في حين اعتبر قطاع غزة منطقة عسكرية خاضعة للقيادة العسكرية المصرية دون شراكة من أي هيئة أخرى بموجب اتفاقية الهدنة الدائمة في رودس بتاريخ 24/2/1949م؛ لكن السيطرة المصرية الكاملة لم تدخل حيز التنفيذ الفعلي التام إلا بعد أن تم تصفية الظاهرة السياسية الفلسطينية في غزة متمثلةً في حكومة عموم فلسطين، وكذلك تصفية الظاهرة العسكرية المتمثلة بقوات جيش الجهاد المقدس الذي أسسته الهيئة العربية العليا عقب صدور قرار التقسيم للدفاع عن فلسطين مدعومة بالمتطوعين من مصر وبعض الدول العربية، وكيف أحكمت مصر بعد ذلك سيطرتها على قطاع غزة سياسياً وعسكرياً وقانونياً وإدارياً، وبقيت متفردة بالسيطرة في القطاع دون شريك أو منازع حتى 1967م.

الظروف المحيطة بنشأة حكومة عموم فلسطين

أعقب نكبة 1948م فتور واضح في نشاط الحركة الوطنية الفلسطينية، ومن العوامل التي ساهمت في هذا الفتور تشتت أبناء الشعب الفلسطيني جراء الهزيمة وآثارها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإمساك الدول العربية بزمام العمل الوطني الفلسطيني تحت شعار (عروبة الحركة)؛ أما ما تبقى من الحركة الوطنية الفلسطينية من نشاط خلال هذه الفترة، لم يزد عن بعض الاتصالات التي قامت بها الهيئة العربية العليا بزعامة الحاج أمين الحسيني، وعلى الرغم قناعات الحسيني القوية بضرورة التعاون والنضال العربي المشترك، وأهمية البعد العربي في تحرير فلسطين، إلا أنه كان يرى ضرورة مساهمة أبناء فلسطين جنباً إلى جنب مع إخوانهم العرب، لذا سعى جاهداً للعودة إلى غزة ليكون قريباً من مواقع الأحداث، ولكن رفض السلطات المصرية لعودته كان يقف حائلا بينه وبين غزة. أما على صعيد الهيئة العربية العليا فقد نشطت في العمل على سد الفراغ السياسي الكبير الذي سيتركه إنهاء الاحتلال البريطاني على فلسطين،التي أعلنت بريطانيا أنها ستنهيه بتاريخ 15/5/1948م.

اتصالات الهيئة العربية العليا

بعد أن أصبح قرار التقسيم واقعاً، وزوال الانتداب حتمياً، أدركت الهيئة العليا أهمية هذا الحدث وضرورة الاستعداد له واستباقه من خلال إيجاد إطار (سياسي- إداري) يملأ الفراغ الناشئ عن رحيل حكومة الانتداب، فبدأت العمل لإنشاء حكومة عربية في فلسطين، وعلى هذا الأساس نشطت الهيئة العربية العليا على الصعيدين العربي والدولي؛ وقدمت رؤيتها لفلسطين موحدة ديمقراطية أمام كل من الأمم المتحدة بتاريخ 29/9/1947م، عن طريق ممثلها رجائي الحسيني، وأمام مجلس الجامعة العربية المنعقد في لبنان في أكتوبر من العام نفسه عن طريق رئيس الهيئة الحاج أمين الحسيني، الذي حضر المؤتمر في يومه الثاني، على الرغم من عدم تلقيه دعوة رسمية للمشاركة في أعمال المؤتمر، وقوبل حضوره بمعارضة من بعض الحضور لاسيما الأردن والعراق.

وقد قدم الحاج أمين الحسيني اقتراحاً يقوم على أساس تبني الدول العربية لفكرة إعلان حكومة عربية في فلسطين، تتولى الأمور والمسئولية بعد زوال الانتداب. وقد قوبل الاقتراح برفض ممثلي الكيانين الهاشميين في كل من الأردن والعراق، بحجة أن الاقتراح لن يحظى بقبول دولي لأنه صادر عن الحاج أمين الحسيني المتهم بإجراء اتصالات مع ألمانيا النازية خلال فترة الحرب العالمية الثانية من قبل بريطانيا، ولكن هذا الرفض لم يمنع الهيئة العربية من وضع تصوراتها للحكومة الفلسطينية المقترحة، فقد جاء في بيان أصدرته في5/1/1948م، أنها تنوي اعتماد نظام سياسي في البلاد يقوم على تحقيق الرغبة العامة في التمثيل الصحيح، فبدأت الخطة الأولى بتشكيل اللجان القومية، وقررت اتخاذ الخطوات الأخرى لإقامة هذا النظام؛ وذلك بتشكيل إدارة قومية لفلسطين بأكملها، على أن تتألف هذه الإدارة من رئيس للمجلس الأعلى، ومجلس وطني عام، ومجلس تنفيذي له رئيس مسئول ينال ثقة المجلس الوطني العام ..”.

وفي أوائل فبراير 1948م تقدمت الهيئة العربية العليا بمشروعها مرة أخرى، وطلبت من الجامعة العربية الموافقة على قيام حكومة عربية في فلسطين. جاء في الاقتراح الذي حمله المشروع المقدم إلى مجلس جامعة الدول العربية، عبر رسالتين وجهتهما الهيئة العربية العليا إلى الأمانة العامة للجامعة العربية، الأولى بتاريخ 7أكتوبر1947م، والثانية بتاريخ 15نوفمبر1947م، بأن هذه الحكومة ستتولى شؤون الإدارة العامة في فلسطين، بمجرد انتهاء الانتداب البريطاني، واستندت الهيئة في مشروعها إلى ما تتمتع به من ثقة الشعب الفلسطيني، وتمثيلها له، باعتراف جامعة الدول العربية، والانتداب البريطاني نفسه، والمجتمع الدولي، واقترحت الهيئة في مشروعها إقامة نظام مؤقت في فلسطين فور انتهاء الانتداب باسم الإدارة الفلسطينية العامة ترأسها الهيئة العربية العليا، معلنة بذلك استقلال فلسطين كدولة ديمقراطية، وتتولى الإدارة الفلسطينية العامة، إدارة البلاد، متمتعة بجميع الصلاحيات التي تتمتع بها الحكومات الديمقراطية المستقلة، وفقاً لدستور سيتم إقراره، أما مهمة الإدارة الفلسطينية العامة كما جاء في المشروع فيتركز في المحافظة على الأمن والنظام في جميع أنحاء فلسطين، وتأمين حقوق السكان ومصالحهم وتوفير الطمأنينة لهم، وتسيير الخدمات والدوائر الحكومية، والعمل على احترام حقوق الأقليات ومصالحها، وحرية العبادة والشعائر الدينية لجميع الطوائف، وحماية الأماكن المقدسة، على اختلافها وتأمين حرية الوصول إليها زيارتها للجميع، والعمل على تنظيم انتخابات تأسيسية لوضع دستور لدولة مستقلة، يتم خلالها اختيار نوع نظام الحكم. وكما كان متوقعاً رفضت جامعة الدول العربية هذا المشروع بسبب الاعتراض الأردني عليه، وعلى الرغم من ذلك جددت الهيئة العربية تقديمها للمشروع في إبريل من العام نفسه، إلا أن جامعة الدول العربية لم تغير موقفها من رفض المشروع بزعم أنه سابق لأوانه، بل ورفضت إقراض الهيئة مبلغاً من المال لتتمكن من القيام بواجبات الإدارة المحلية، أو حتى لمساعدة منكوبي الأحداث في فلسطين.

وقد لقد نجم عن التعنت العربي برفض إقامة حكومة فلسطينية تبعات خطيرة تمثلت في عدم وجود حكومة أو إدارة أو قوة عسكرية عربية منظمة في فلسطين تدير شؤون البلاد في تلك المرحلة المفصلية الخطيرة على عكس اليهود الذين كانوا منظمين تنظيماً جيداً ومدعومين من يهود العالم ومن القوى الاستعمارية الكبرى، كما عانت الهيئة العربية العليا من التهميش الشديد من قبل الجامعة العربية سياسياً وعسكرياً، وعاشت على شفا الإفلاس؛ ولم يكلف الحكام العرب أنفسهم عناء التفكير جدياً في إعطاء فلسطين العربية صفة دولية قانونية، حتى مع دخول جيوشهم إلى فلسطين، وإعلان اليهود دولتهم. ومما زاد الأمور تعقيداً تشتت معظم أفراد الهيئة العربية العليا في المنافي، حيث لم يكن داخل فلسطين من أعضائها سوى أحمد حلمي عبد الباقي.

لعب أحمد حلمي عبد الباقي باشا (١٨٨٢–١٩٦٣م) دوراً سياسياً واقتصادياً وإنسانياً متميزاً في مسيرة قضية فلسطين، وقام بأدوار وطنية بارزة للحفاظ على عروبتها والدفاع عنها منذ بداية القرن الماضي، علماً بأن نضاله في سبيل القضايا الوطنية بدأ منذ أيام الدولة العثمانية عندما شارك في الدفاع عن سوريا الكبرى والعراق من الاحتلال العسكري البريطاني، وبعد أن تولى الأمير فيصل بن الحسين الحكم في سوريا عُـيّنَ مديراً عاماً لوزارة المالية إلى أن احتل الفرنسيون دمشق فتوجه إلى عمان حيث اختاره الشريف حسين بن علي (شريف مكة) ناظراً لخط سكة حديد الحجاز،وشارك في تأسيس البنك العربي في فلسطين عام١٩٣١م، ثم البنك الزراعي وبعدها صندوق الأمة، ثم بنك الأمة العربية عام١٩٤١م، وكان الهدف الرئيسي من هذه المشاريع الثلاثة توفير القروض للفلاحين الفلسطينيين لإنقاذ الأراضي العربية التي تسعى الوكالة اليهودية الاستيلاء عليها بالتعاون مع حكومة الانتداب البريطانية، وقد نفته سلطات الانتداب سـنة ١٩٣٧م إلى جزر سيشل في المحيط الهندي مع رفاقه في اللجنة العربية العليا، عيّنه الملك عبد الله الأول خلال عام ١٩٤٨ حاكماً عسكرياً لمدينة القدس باعتباره الزعيم الفلسطيني الوحيد الموجود في المدينة في تلك الآونة والقائم فعلياً على تنظيم الدفاع عنها، عندما تقرر إنشاء حكومة عموم فلسطين في غزة في٢٣سبتمبر ١٩٤٨م، تم اختيار أحمد حلمي باشا أول رئيس لها، لكنه وجد نفسه على رأس حكومة بدون وطن وبدون صلاحيات فاستقر في القاهرة كمدير لبنك الأمة العربية الذي أنشأه؛ إلى أن أممت الحكومة المصرية جميع البنوك الأجنبية عام١٩٦١م، فغادر القاهرة واستقر في لبنان حتى توفي فيها عام ١٩٦٣م، نُقل جثمانه إلى القدس حيث دفن في الحرم القدسي إلى جانب القائد الشهيد عبد القادر الحسيني.

والدكتور حسين فخري الخالدي.

ولد في القدس الشريف، درس الطب في الكلية الإنجيلية السورية “الجامعة الأمريكية لاحقا” في بيروت وتخرج منها في عام 1916م،خدم في الجيش العثماني ضابطاً طبيباً، انخرط في نشاطات الحركة الوطنية الفلسطينية المعارضة للاحتلال البريطاني لفلسطين وللمخطط الصهيوني، فاز برئاسة بلدية القدس، وفي عام 1935م، أسس حزب الإصلاح العربي الفلسطيني وانتخب زعيماً له واختير ممثلا للحزب في قيادة الهيئة العربية العليا لفلسطين التي توحدت في إطارها الأحزاب الفلسطينية في عام 1936م، نفاه الإنجليز مع عدد من رجالات الحركة الوطنية الفلسطينية إلى جزيرة سيشل لأكثر من عام، وبقي في منفاه حتى عام 1938، عين وزيراً في العديد من الحكومات الأردنية المتعاقبة، كما عين بتاريخ 15/4/1957م، رئيساً للوزراء لكن حكومته لم تصمد لأكثر من تسعة أيام وكانت هذه الحكومة آخر عهده بالعمل الحكومي، توفي في فبراير 1962م، ودفن في القدس الشريف.

يتبع …

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.