فكر مختارات مقالات

مقاربة نص فلسفي: معرفة الغير

مقاربة نص فلسفي

(معرفة الغير)
نص “نيكولا مالبرانش” الكتاب المدرسي “مباهج الفلسفة”، ص 33

بقلم: د. لحسن دحماني

يحيل مفهوم المعرفة إلى النشاط الذهني الذي يسعى الإنسان من خلاله إلى إدراك حقيقة الكون والإنسان، ويقتضى فعل المعرفة وجود ذات عارفة وموضوع للمعرفة، وتختلف المعرفة حسب اتجاهاتها وتخصصاتها، فهناك بعض المعارف التي يمكن القول على أنها واحدة وثابتة لدى جميع الناس، وهي ما يعرف بالبديهيات مثل 1+1=2 أو أن للمثلث ثلاثة أضلاع، أو أن الاسبوع هو7 أيام…، غير أن معرفة الذات للغير تجعلنا أمام تداخل الذات العارفة بموضوع المعرفة، فالإنسان دارس ومدروس، ومادام هذا الأخير يتميز بخاصية الوعي والإرادة والحرية، فهل هذا يعني أنه صعب المنال معرفيا، أم أن معرفته ممكنة؟ بمعنى آخر، هل الغير قابل للدراسة الموضوعية التي تمكننا من معرفته، أم أن معرفته مستحيلة؟

مقاربة للإشكال أعلاه، نجد صاحب النص ” مالبرانش” يؤكد على استحالة معرفة الغير عن طريق المماثلة والمشابهة، فمهما حاولنا افتراض أن للغير إحساسا شبيه بإحساسنا، ويمتلك وعيا يماثل وعينا، فإن النتيجة المتوصل إليها تبقى مجرد إسقاط افتراضي مادام لكل شخص خصائص تميزه عن غيره. وقد بني النص على مفاهيم تمثل دعائم التصور وأسسه من قبيل الإفتراض الذي يذل على وجود هوة عميقة بين الأنا والغير، فالإفتراض هو إحدى وسائل المعرفة القائمة على التخمين التي يمكن أن تكون صائبة أو خاطئة، هذه المعرفة التخمينية تكونها الذات عن الغير المشابه لي والمختلف عني في نفس الوقت، تجعل منها معرفة خاطئة، لأنها تبنى على اسقاط خصائص الذات على الغير، على اعتبار الذات وعيا متميزا لديه أحاسيس وعواطف وتجارب حياتية تتشابه وحياة الغير. ولإقناعنا بهكذا تصور، ساق صاحب النص مجموعة من الأمثلة الواقعية “الألم.. الخير… 2*2=4” وذلك بغية التأكيد على أنه رغم المعارف المشتركة بين الانا والغير، لا تؤدي بالضرورة إلى معرفة الذات للغير معرفة يقينية، كما وظف أيضا أساليب الاثبات والنفي “من البين…، لانعرف…” لإثبات التصور القائل بصعوبة معرفة الغير، على الرغم من التشابه القائم بين الذات والغير، ليستنتج في الأخير إلا أن معرفتنا بالغير القائمة على التخمين والإفتراض دائما ما تكون معرضة للوقوع في الخطأ.

إن لتصور صاحب النص قيمته ووجاهته داخل تاريخ الفلسفة، فهو يعبر  عن استمرار للتصور العقلاني الديكارتي الذي يجعل من الغير نقطة تماثل وتشابه مع الذات، ولعل مفهوم التماثل هنا كما الإفتراض مفاهيم ذات طابع علمي، هذا إلى جانب المفاهيم الفلسفية مثل الذات والغير، وهذا الأمر يفضي بنا إلى القول أن صاحب النص ذو فلسفة عقلانية تنهل من الرياضيات كعلم عقلي خالص، وهو ما تعلمه لغته التقريرية المباشرة. كما يشكل التصور خطابا منطقيا، لأن الإنسان / الشخص غير قادر على معرفة الغير كمعرفة الذات، فما يمكن أن يكون سيئا بالنسبة لي يمكن أن يكون جيدا بالنسبة للآخر، لذلك كل حكم على مشاعر الغير وفكره وشخصه يبقى مجرد اسقاط افتراضي ليس إلا، أضف إلى ذلك قوة وقيمة الحجج الموظفة من قبل صاحب النص من قبيل الأمثلة المستقاة من الواقع التي تؤكد الهوة الفاصلة بين الأنا والغير، على الرغم من وجود معارف مشتركة بينهما، كالعلاقات الرياضية والمنطقية.  كما أن التصور يحمل بعدا ايديولوجيا (مضمرا) يؤكد على الفردانية والاستقلالية وليس الانغماس في الوعي الجمعي، أي أن الذات متفردة في ذاتها، لذلك وجب أن لاتخضع لمنطق الجماعة… لكن هل فعلا يمكن الجزم بعدم قدرة الشخص على معرفة الغير؟

عكس التصور السابق نجد الفيلسوف الفرنسي “موريس ميرلوبونتي 1908-1968” يرى أن العلاقة المعرفية الموضوعية التشيئية للغير هي نتيجة  النظر إليه من موقع الأنا أفكر (العقل)، ونشاطهما القائم على التجريد والتقسيم والحساب والاستدلال، وهذه الوضعية يمكن تجاوزها عندما يدخل الأنا والغير في علاقة الإعتراف المتبادل لكل منهما في فرديته ووعيه. ويعترض “ميرلوبونتي” على مثال النظرة الذي يستند إليه التصور “السارتري”، لأن نظرة الغير في نظره لاتحول الإنسان إلى موضوع، إلا إذا انسحب كل من الأنا والغير وقبع داخل طبيعته المفكرة، وجعلنا نظرة بعضنا لبعض لاإنسانية. إن النظرة لا تولد الإحساس بالضيق إلا إذا حلت محل تواصل ممكن. وبالتالي فمعرفة الغير حسب “ميرلوبونتي” تقوم على أساس التواصل .

نخلص مما سبق إلى أن معرفة الغير  عند بعض التصورات تحمل طابع الصعوبة والاستحالة، وعند البعض الآخر طابع الإمكان والتحقق، ونحن هنا نؤكد على إمكانية معرفة الغير بشكل نسبي يتيح لنا فرصة التواصل معه ومشاركته في إطار المعيش اليومي.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.