فكر مختارات مقالات

هل يتعارض الرأي مع الحقيقة ؟

مفهوم الحقيقة
(الحقيقة و الرأي)

السؤال: هل يتعارض الرأي مع الحقيقة؟
مقاربة السؤال الإشكالي:

بقلم/ د. لحسن دحماني

تعتبر الحقيقة والبحث عنها جوهر الفلسفة، فمنذ اللحظة اليونانية كان هم الفلاسفة هو الكشف عن السر الغامض الذي يمكن الإنسان من امتلاك الحقيقة. بيد أن هذا السعي لم يخل من مشاكل من أهمها تنوع المعارف الإنسانية بتنوع اهتمامات الإنسان ومشاغله الحياتية المتجددة، مما يجعلنا أمام تعدد الحقائق التي تطرح إشكالية الاساس الذي من خلاله يمكن التمييز بين الحقيقة واللاحقيقة (الوهم؛ الخطأ؛ الكذب)، ولعل أول ما يصطدم به الباحث عن الحقيقة هو الرأي l’opinion؛ بمعنى ذلك الاعتقاد الجماعي المشترك بين عامة الناس، أي كل الآراء الشائعة والمتداولة التي تكتسي صبغة يقينية وحقيقية يصعب الشك فيها، بينما يظهر تاريخ الفلسفة والعلم أن نظرياته لا تكتسي طابع اليقين، بل الاحتمال والنسبية، هذا الأمر يثير التباسا بين الحقيقة (الصدق واليقين) والرأي (كاعتقاد سائد مرسخ بفعل العادة). مما يدفعنا إلى التساؤل عن علاقة الرأي بالحقيقة: فهل علاقة الرأي بالحقيقة هي علاقة اتصال واستمرارية أم انفصال وقطيعة؟ وهل يمكن اعتبار الرأي حقيقة أم أن الأمر يجانب الصواب؟ وهل يمكن اعتبار الرأي طريق موصل إلى الحقيقة؟

يحيل مضمون السؤال إلى أن الرأي يتعارض مع الحقيقة فبادئ الرأي الذي يمثل مجموع المعارف المشتركة بين عامة الناس، فالدوكسا على حد تعبير أفلاطون لا يمكن اٍعتمادها في بناء الحقيقة، و لعل هذا ما يبدو واضحا من خلال الاْلفاظ و المفاهيم الواردة في السؤال ، فالسؤال يبدأ بأداة اِستفهام “هل” التي تفيد الاِثبات و النفي للأطروحة المعبر عنها في السؤال ، و يفتتح مضمونها بكلمة تتعارض و التي تفيد التناقض و التباعد بين الرأي و الحقيقة ، و يأخذ الرأي دلالة خاصة اِذ يدل هذا اللفظ من الناحية الفلسفية على المعرفة العامة غير المبنية و الاْقل درجة من العلمية و الفلسفية ، و بذالك فالرأي شكل من اْشكال الاِعتقاد الذي يغلب عليه الظن ، حكم لا يقوم على اْسس عقلية واضحة ، وإنما هو حكم خاضع لنسق من القيم السائدة، والذي يتناقض مع الحقيقة باعتباره كل ما يطابق الواقع و يوجد وجودا فعليا ماديا تجريبيا في هذا الواقع ، فالحقيقة هي كل ما نبنيه من حكم على الواقع اْو ظاهرة ما. و هي بذالك اِعادة تأسيس و بناء للواقع و ليست نسخا له.

هذا الموقف الذي يراهن عليه السؤال هو ما يؤيده العلم والمعرفة العلمية التي ترتبط بمعطى أساسي وهو بناء الحقيقة والمعرفة وفق مناهج دقيقة، وهو ما يثبته الواقع، فلا مجال للحقيقة ضمن ما يحمله الرأي والمعرفة العامية من أخبار زائفة وإشاعات وخرافات تعشش في العقول بل وتعتبر حقائق مطلقة لا يمكن الشك فيها، وهو الأمر الذي يجعلنا لا نعي وضعنا المعرفي داخل نظام العلوم الذي يعرف تطوراً كبيراً، بل إن العلم والمعرفة لا يعرف تطوراً إلا من خلال عمليات الشك في كل ما ينشر من معلومات خاصة على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، التي أصبحت إحدى أهم المنصات التي تستقي منها الغالبية العظمى معلوماتها، فلا حقيقة إلا بمنهج دقيق وصارم، سواء أكان منهجاً عقلانياً كالذي اقترحه روني ديكارت المتمثل في القواعد الأربعة: الشك أو اليقين أو البداهة، التحليل والتقسيم، التركيب، الإحصاء والمراجعة، أو المنهج التجريبي الاستقرائي الذي يرتبط ببناء المعرفة من الخاص إلى العام: الفرضية، التجربة وإعادتها، ثم القانون العام، ومثال ذلك القانون العام القائل: “كل المعادن تتمدد بفعل الحرارة”.

إن للتصور المفترض قيمة ووجاهة داخل تاريخ الفلسفة، وهو تصور يمثل امتداداً للفلسفة اليونانية والحديثة التي اعتبرت الحقيقة مبناة من خلال مناهج دقيقة وصارمة، وليست معطاة في شكل رأي قائم على الظن والعاطفة والرؤية الشخصية. وهو تصور يحاول أن يوقظ النظرة العلمية للحقيقة عوض الانغماس في براثين الأسطورة والخرافة التي تنتقل عن طريق التواتر التقليدي المرتبط بالمعارف الرهينة بوضع سوسيوتارخي معين. كما أن قيمة التصور المفترض ترتبط أيضا بمزاوجته بين المفاهيم الفلسفية العلمية المرتبطة بنقد للمفهوم العامي للحقيقة التي يتم ربطها بالرأي الشخصي والظن والمتداول والشائع اجتماعيا.

أما على مستوى منطقية التصور فنسجل بأن التصور المفترض يرتبط بتيار الموضوعية في العلوم الذي يحث على وجود قطيعة بين موضوع البحث وذاتية الباحث، فالحقيقة ليست هي انعكاس لرؤية الباحث، بقدر ما هي نتاج موضوعي للوقائع والأحداث والمعطيات التي يعمل على تحليلها وتفسيرها، وهو ما يظهر على مستوى الحقائق العملية والتكنولوجية، إن النظرة إلى الحقيقة بما هي بناء منهجي علمي هو ما ساهم في التطور الذي يعرفه العالم الإنساني اليوم، خاصة على المستوى التقني والعلمي.

لذلك فإذا احتكمنا إلى هذا النظر، وحاولنا من خلاله قراءة واقعنا المعيش، خاصة في ظل الجائحة التي يعيشها العالم بفعل فايروس كورونا، وطريقة التعامل مع الوضع الراهن من طرف المغاربة والتي تنعكس في السلوكات اليومية لنا، فإن مفهوم الحقيقة كعملية بناء منطقية، والمسؤولية اتجاه العلم والمعرفة لازالت بعيدة المنال، لأننا نؤمن بالخرافة والأسطورة مما يجعل منا فريسة سهلى للدجالين وتجار الأزمات، فهذا التصور هو ثورة على واقعنا، لأن يمثل النظرة التي نفتقدها بشكل عام. إذا فالتصور يمثل مناهضة للواقع المغربي القائم على الإشاعة وعدم قدرته على استعمال الفحص المنهجي للمعارف، وتبني المناهج العلمية عوض (سال المجرب لا تسال طبيب). لكن يمكن القول بأن للتصور حدوداً، وتتمثل في قصوره ونفيه المطلق على كون الرأي يمكن أن يعبر عن الحقيقة، وهو ما يؤكده تاريخ العلم، فلم يكن كوبرنيك إلا صاحب رأي شخصي بداية حول عدم ثبات الأرض وحركيتها، لكنه كان رأياً يعبر عن حقيقة واقعية أيضاً.

إن التصور المفترض في السؤال قيد التحليل هو ما اْيده الفيلسوف الاِغريقي اْفلاطون، اِذ يرى اْن مصدر الحقيقة هو الفكر من خلال المجهود التأملي الذي يقوم به العقل حينما يتخلص من معارفه الحسية الوهمية و يبحث عن المثل باعتبارها حقائق خالدة و ثابتة و سابقة على كل تجربة حسية ، فالرأي الذي يكونه اْولئك المقيدون من خلال اِدراكاتهم الحسية ليس اِلا وهما لا يدركه اِلا الفيلسوف هو الذي اِستطاع اْن يفك اْغلاله و اْن يواجه الحقيقة خارج الكهف المظلم الذي يرمز إلى ظلمات الجهل لذلك يتحتم على من يبحث عن الحقيقة المطلقة اْن يبدأ بالتخلص من اِنطباعاته الذاتية و ما اكتسبه من الواقع الحسي المباشر. كما اْن اْفلاطون يدعو إلى تجاوزdoxa اْو بادئ الرأي. وفي نفس التجاه نجد الفيلسوف الفرنسي روني ديكارت “1595-1650” في كتابه “تأملات ميتافيزيقية” يرى اْنه لا فائدة من البحث عن الحقيقة دون الاِعتماد على منهج سليم و ملائم ، و بذالك يجب على العقل اْن يعتمد قواعد واضحة و دقيقة و ملائمة ليصل إلى اليقين في كل ألمعارف و من اْهم هذه القواعد و اْولها وضع الاْراء السابقة التي يتلقاها المرء من الوسط الاِجتماعي و التي يعتبرها صحيحة . دون اْن يكون قد اِختبر صحتها ، اْن يضعها موضع شك يقول ديكارت:

“اْصبحت على يقين بأنه ينبغي اْن اْتخلص مرة و إلى الاْبد من كل الاْراء التي سلمت بها من قبل ، و اْن اْبداْ بالبناء من جديد من الاْساس اِذ اْردت اْن اْضع بناءا ثابتا دائما للعلوم”و بهذا رفض ديكارت كل ما يمكن اْن يكون موضع شك ، و رفض بذالك شهادة الحواس لأنها تخدعنا اْحيانا. و يدعو إلى التحرر من هذه الاْفكار ، و لن يتأتى ذلك اِلا بممارسة شك منهجي تحرري ، و لمل كان من غير الممكن ، كما يقول ديكارت اْن يقوم بمراجعة كل الاْفكار و اِختبارها واحدة واحدة، فاِنه سيلجأ إلى نقد الاْسس التي تقوم عليها تلك الاْفكار المسبقة ، لاْن هدم الاْسس يؤدي إلى اِنهيار البناء كله كما يقول ديكارت ، و هكذا يصبح من الممكن بناء المعرفة من جديد على اْسس سليمة. و قد رأى ديكارت اْن اْي إنسان لابد أن يتوصل إلى اكتشاف الحقيقة حين يتبع القواعد الأربع:(البداهة، التحليل، التركيب، المراجعة و الاِحصاء) لاْن العقل البشري واحد عند الناس جميعا يقول:”العقل اْعدل قسمة بين الناس”

في نفس الاتجاه نجد “غاستون باشلار 1884-1962” يؤكد على أن المعرفة العلمية مطالبة بتجاوز الأحكام المسبقة والآراء باعتبارها أنواع من الجهل يكون عائقا أمام الوصول إلى الحقيقة. ويظهر إذا أن الإنسان في رحلة المعرفة الطويلة والشاقة، لا يبدأ بالحقيقة بل تعترضه الآراء التي المشبعة الحس المشترك الذي لايرقى إلى مستوى تقرير الحقائق، ومن ثم وجب بناء الحقيقة اعتمادا على البرهان العقل ونتائج العلم لتجاوز نسبة الرأي وتغيره نحو ثبات الحقيقة وكونيتها.

إذا كانت التصورات السابقة قد اكدت على التناقض القائم بين الحقيقة والرأي، واعتبار هذا الاخير عائق امام الوصول إلى الحقيقة، ألا يمكن القول إن العلاقة بين الرأي والحقيقة هي علاقة اتصال وتكامل؟

على النقيض من التصورات السابقة حول علاقة الرأي بالحقيقة نجد اْطروحات فلسفية أخرى تجيب عن هذه العلاقة بالتركيز على أهمية التماسك و التكامل بين الرأي و ألحقيقة فهذا باسكال (1623-1662) يتجاوز أطروحة ديكارت، خاصة اِذا علمنا باْنه يعترف باْن للعقل حدودا و اْنه ليس وحده في الرهان، أي ان خطوته الاْخيرة تتلخص في الاعتراف باْن ثمة اْشياء لا متناهية تتجاوزه، وبذلك فنحن اْمام قصور للعقل اْو بعبارة أخرى اِن العقل لا يكفي نفسه بنفسه، حتى اْنه غير قادر على صياغة مبادئه الخاصة التي يجهلها العقل ، فمن الواجب لمعرفة الحقيقة اْن نعتمد على العقل و إلى جانبه القلب، لاْن العقل اِذا ترك لنفسه لا يسعه اِلا اْن يتيه، و منه فالعقل وبمبادئه البرهانية وجب اْن يشتغل بجانب العواطف والاِنطباعات الشخصية.

من خلال ما سبق اْي من خلال عملية التحليل و المناقشة يتبين اْن اِشكالية العلاقة بين الرأي و الحقيقة قد اْفرزت تيارين مختلفين بل متعارضين فالأول يرى باْن العلاقة بين الرأي والحقيقة هي علاقة تنافر و تباعد، عكس التصور الثاني الذي يرى في الرأي بداية للحقيقة ولا يمكن إقصاؤه في البحث عنها .

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.