فكر مختارات مقالات

بيتر سينغر .. الفايروس والأخلاقيات الأكثر اتساعاً

بيتر سينغر .. الفايروس والأخلاقيات الأكثر اتساعاً

بقلم: علي حسين

 

في أواخر عام 1789 كتب الفيلسوف الانكليزي جيرمي بينثام : ” لقد وضعت الطبيعةُ البشر تحت حكم اثنين من الأسياد، الألم والسعادة وإليهما وحدهما يرجع القرار فيما يجب أن نفعله ” ، كانت هذه الجملة التي جاءت في كتاب ” مبادئ الأخلاق والتشريع ” ، جعلت الشاب الذي لم يتجاوز التاسعة عشر من عمره يقرر ان يترك دراسة القانون ويتجه الى الفلسفة ، فقد احب فكرة أن بامكانه ان يجادل حول القضايا الاساسية التي تهم الانسان والطبيعة ..بعد ذلك سيكتب : ” أن الحق في الحياة مرتبط بشكل أساسي بقدرة الكائن على الاحتفاظ بالأفضليات ، والتي ترتبط بدورها بشكل أساسي بقدرتنا على الشعور بالألم والمتعة ” . افكار كهذه وصل اليها الفيلسوف الاسترالي ” بيتر سينغر ” الذي ستكون فلسفة جيرمي بينثام النفعية هي سلة الغذاء الفكرية التي سيتغذها منها خلال مسيرته الفلسفية التي بدأت من عام 1971 ، عندما قرر ان يكتب اطروحته الجامعية عن موضوع العصيان المدني ، والتي ستشر عام 1973 في كتاب بعنوان ” الديمقراطية والعصيان ” وسيكون جيرمي بينثام دليله ايضا في هذه الرحلة .. كان بينثام المولود عام 1748 والذي عاش أربعة وثمانين عاماً حاول أن يخلق بيئة صالحة تحل محل البيئة الفاسدة..ووضع بذلك المسودة النهائية لمهمة عظيمة هي الهندسة الاجتماعية. وكان رأي بينثام أن يقوم الفيلسوف بهذه المهمة نيابة عن الطبقة السياسية التي كان يعرفها جيداً، فهذه الطبقة تتابع وتناقش ما يجري حولها، وبسبب تمتعها بامتيازات خاصة، فإنها ترى في البيئة الفاسدة المكان الأفضل لها، وقد أدرك بينثام عجزه عن اقناع هذه الطبقة بقبول الإصلاحات التي يبشر بها، ولهذا كان لابد أن يلجأ الى الناس لمساعدته في تحقيق هذا التحوّل.. ولم يمض وقت طويل حتى خرج ببيان ينادي بالديمقراطية، ويدعو الى اعتماد مبدأ الاقتراع العام في اختيار السلطات، وضرورة إجراء انتخابات ضماناً لتناوب الحكام في شغل المناصب الرئيسة، وفي السبعين من عمره أعلن يبنثام بصراحة أن على الجماهير أن تجري التغيرات التي لاتريد الطبقات المترفة الإيمان بها.

في العام 2009 ينشر بيترسينغر كتابه الأشهر ” ” الحياة التي يمكن انقاذها ” حيث يذكرنا فيه بان الحياة الجيدة ليست في الصحة الجيدة والاملاك والسيارات الجديدة . بل في إدراك ما يمكننا فعله لنجعل العالم مكانا اكثر عدلا . يؤمن سينغر ان الفلسفة يمكنها ان تتجاوز جدران الاكاديمية ، وانها يامكانها ان تكون في عالم الواقع .

بيتر ألبرت ديفيد سنيغر المولود في السادس من تموز عام 1946 في مديننة هاوثورن الاسترالية في نفس الشهر الذي نزحت فيه عائلته من فينا ، بعد ان استولى النازيون على النمسا عام 1938 ، أرادت العائلة ان تهرب بسرعة ، بعد ان تم ارسال الاجداد إلى معسكرات احتجاز اليهود ، وقد مات جده لامه وابيه وجدته لامه ، ونجت جدته لابيه باعجوبه لتلتحق بعائلة ابنها الذي استطاع ان يحقق نجاحا في عمله التجاري ، ويتذكر بيتر الطفل ان والده كان بارعا في معرفة انواع القهوة التي يستوردها ، اضافة الى براعته في التمثيل ، حين أسس فرقة للهواة كان يخرج لها اعمالها التمثيلية . ولد لعائلة يهودية غير متعصبة وعندما بلغ الثالثة عشر من عمره وكان مطلوبا منه ان يذهب الى المعبد اليهودي لاداء المراسم حسب الشريعة اليهودية ، قرر الصبي بيتر عدم الذهاب ، فقد اعلن لوالده انه غير مؤمن ، و لايستطيع ان ينافق ، وقد تركت له حرية اتخاذ مثل هكذا قرارات مصيرية ، بعد ذلك قرر الاب ان لا يرسل ابناءه الى مدرسة يهودية ، وان يوفر لهم تعليما راقيا.في تلك السنوات يتفرغ بيترسينغر للقراءة ، سيقرأ كل ما يقع بيده ، من كتب الفيلسوف سبينوزا ، وسيدهشه كتابه الضخم ” الاخلاق ” ، وتسحره شخصية هذا الفيلسوف الذي عاش حياة قنوعة جدا فهو لم يتخل عن ميراث ابيه ، لكنه رفض ايضا ان يتلقى اموالا من اصدقاء اثرياء قانعا بدخل متواضع يأتيه من عمله في صناعة العدسات البصرية .. وسيحتفي بيتر فيما بعد بسبينوزا في كتابه ” كيف نعيش؟ الأخلاق في عصر المصلحة الذاتية ” ، بعدها يتجه صوب كارل ماركس الذي كان يؤكد أن الانسان كائن طبيعي يتطور مع حركة التاريخ العالمي ، وسيتوقف طويلا عند عبارة ماركس البليغة : ” كل ما يسمى بالتاريخ العالمي إن هو إلا نتاج الإنسان عن طريق العمل الانساني ” ، ويخصص بيتر سينغر احد كتبه لماركس – صدر الكتاب عام 1980 ، حيث نجده متعاطفا مع انتقاد ماركس للرأسمالية ، لكنه يشك في ما إذا كان من المحتمل إنشاء نظام أفضل ، حيث يكتب : “رأى ماركس أن الرأسمالية هي نظام مسرف وغير عقلاني ، نظام يتحكم بنا عندما يجب أن نسيطر عليها. هذه البصيرة لا تزال صالحة ، لكن يمكننا الآن أن نرى أن بناء مجتمع حر ومتساو هو مهمة أكثر صعوبة مما أدركه كارل ماركس ماركس ” ، يكتب سينغر عن شغفه بافكار ماركس قائلاً : ” هل يمكن لأي شخص أن يفكر في المجتمع من دون الرجوع إلى رؤى ماركس المتعلقة بالروابط بين الحياة الاقتصادية والفكرية؟ أدت أفكار ماركس إلى ظهور علم الاجتماع الحديث، وغيَّرت دراسة التاريخ، وأثرت بعمق في الفلسفة والأدب والفنون. بهذا المعنى نحن جميعًا ماركسيون الآن ” .

ينهي دراسته الجامعية في ملبورن ، بعدها يحصل على منحة لدراسة الفلسفة في اكسفورد ، هناك سيحاول تطبيق الاخلاق على العالم ، وستشغله قضية الحيوانات فيقرر هو وزجته ان يصبحا نباتيين ، وسيخصص واحدا من كتبه للدفاع عن الحيوانت حيث اصدر عام 1973 كتابه الذي يقول عنه انه اهم كتبه بالنسبة اليه ” تحرير الحيوان ” ، وفيه يرفض قداسة الانسان ويطالب بحقوق للحيوانات

الحجة المركزية للكتاب هي توسيع المفهوم النفعي بأن “أعظم خير لأكبر عدد” هو المقياس الوحيد للسلوك الجيد أو الأخلاقي ، ويعتقد سينغر أنه لا يوجد سبب لعدم تطبيق هذا المبدأ على الحيوانات الأخرى ، بحجة أن الحدود بين الإنسان و الحيوان تعسفية تمامًا.

أثناء وجود طالبا في في ملبورن ، قام سينغر بحملة ضد حرب فيتنام واصبح على رأس جمعية تقف بالضد من التجنيد الإجباري. انضم عام 1974 إلى حزب العمال الأسترالي ، لكنه بعد ذلك سيترك الحزب ، لصبح عضوًا مؤسسًا لحزب الخضر .

ينتقد سينغر الولايات المتحدة لانها تساعد الحكومات الاستبدادية على “إبقاء الناس في فقر” ، ويعتقد أن ثروة هذه الدول “يجب أن تنتمي إلى الناس” بدلاً من حكوماتهم . يصف سينغر نفسه بأنه ليس معاديًا للرأسمالية ، ويصرح في مقابلة معه عام 2010 : ” إن الرأسمالية بعيدة كل البعد عن النظام المثالي ، ولكن لم نجد حتى الآن أي شيء يقوم بعمل أفضل في تلبية الاحتياجات البشرية من الاقتصاد الرأسمالي المنظم إلى جانب نظام الرعاية الصحية والرعاية الاجتماعية الذي يلبي الاحتياجات الأساسية لأولئك الذين لا تزدهر في الاقتصاد الرأسمالي ” .

عام 2010 يوقع سينغرعريضة يعلن فيها تنازله عن حقه في العودة إلى إسرائيل ، لأن هذا الحق في رايه “شكل من أشكال الامتيازات العنصرية التي تحرض على القمع الاستعماري للفلسطينيين ” .

في منزله بملبورن يقول لمراسل صحيفة الغارديان البريطاية وهو يساله : لماذا يعتقد أن كثيرا من الناس يتخوفون من التقدم التكنولوجي؟

قائلا : ” أنا لست عالم اجتماع ولا عالم نفس، ومن ثم فأنا لا أعرف. أتصور أن الناس يخافون المجهول والتغير بصفة عامة ” . يتحدث سينغر عن اهمية العطاء في حياة الانسان وكم علينا ان نعطي ؟ ويشير الى ان هناك حوالي تسعمائة مليون انسان غني في العالم ، اي اشخاص لديهم دخل اعلى ، ولو اعطى كل منهم مبلغ مئتي دولار فقط في السنة ، فسوف يقلل الفقر العالمي إلى النصف ، ويسخر سينغر من اصحاب المليارات الذين ينفقون اموالا طائلة على اليخوت والرحلات الفاخرة والطائرات الخاصة : ” حان الوقت كي نتوقف عن التفكير باهدار المال بهذا الشكل الاستعراضي السخيف ، ونفكر بالامر على فداحة افتقارنا للاهتمام بالاخرين ” .

ونظراً لعدد الارواح التي يمكن انقاذها بالعطاء ، يتساءل سينغر إن كان بوسعنا تبرير ارسال اطفالنا الى مدرسة خاصة مرتفعة الثمن . إننا نستطيع تبرير ذلك فقط اذا توافرت النية بأن يصبح هذا الطفل مفيدا للكثير من الناس نتيجة لذلك المستوى من التعليم .

ويرى سينغر ان تاثير كورونا كان اكبر على الطبقات الفقيرة ، وهو يتساءل : هل سنهزم الفيروس عندما نجد لقاح أو علاج فعال؟ ويضيف : ” لكن هذا الأمر قد يستغرق سنة او ربما فترة أطول. هل نريد ان يظل الناس يعيشون تحت ظل اغلاق تام وان يتدهور الوضع في مجتمعاتنا ” .

ياخد سينغر بعين الاعتبار من ان هناك فوائد صحية للاغلاق التام حيث سيموت عدد أقل من الناس بسبب فيروس كورونا المستجد وغيرها من الأمراض المعدية ، لكنه يعتقد في المقابل ان هناك تكلفة اجتماعية واقتصادية حقيقية للاغلاق التام من بينها العزلة الاجتماعية والبطالة وحالات الافلاس على نطاق واسع . ان هذه العلل ليست واضحة الآن كما يقول سينغر ، لكنها ستظهر قريبا.

ويناقش سينغر المقولة التي يصّر اصحابها على طرحها وهي انه عمليا لا يوجد اي مجال للمساومة فالاغلاق التام افضل من اجل انقاذ الارواح ومن اجل الاقتصاد . حيث يصف الأمر وكأنه احلام لا اساس لها من الواقع : ” نحن نفترض ان هولاء الناس يعتقدون ان الاغلاق التام سينتهي قريبا ولكن لو أنهينا الاغلاق قبل هزيمة فيروس كورونا المستجد فإن بعض الناس سوف يموتون من المرض مع العلم انهم كانوا سيبقون على قيد الحياة لو استمر الاغلاق. ان محاولة الهرب من مقايضة انقاذ الارواح بإنقاذ سبل العيش ليست أمرا بسيطا ” .

في شهر نيسان الماضي كتب بيتر سينغر مقالا أكد فيه: ” إن التفكير فقط على اساس سنوات الحياة ذات النوعية الجيدة يعكس تفكيرا ضيقا تماما فالصحة ليست كل شيء فالذي نحتاجه بحق هو مقارنة تأثير السياسات المختلفة على الرفاهية بشكل عام..يتوجب علينا حتى نحقق ذلك ان نقيس الرفاهية من خلال استخدام تقارير الافراد عن سعادتهم ورضاهم عن حياتهم الحالية وهو نهج كان من رواده اكاديميون في تقرير السعادة العالمية. ان عمل هذا يعني انه باستطاعتنا بطريقة مبدئية تقييم اعتبارات كان سيصعب مقارنتها وذلك عندما نقرر شكل الاستجابة لفيروس كورونا المستجد أو اي مخاطرة منهجية اخرى ” .

يقول سينغر الذي سيدخل يوم الجمعة القادم عامه الـ 74 : ” ما يجب أن نكتسبه هو إدراك حقيقة أن هذا الفيروس ، مثل الفيروسات الحديثة الأخرى مثل السارس وأنفلونزا الخنازير وإنفلونزا الطيور ، قد جاء من استهلاك الحيوانات ” ، ويضيف أنه يشك في أن الدروس الصحيحة سيتم تعلمها من تفشي المرض ، ومع هذا فهو يامل أن تخرج المجتمعات من الوباء بشعور أكبر بالتضامن : ” “نحن جميعًا في هذا الأمر معًا ، إنه عالم واحد والأشياء التي تحدث في البلدان الأخرى لها تأثيرات شديدة للغاية في جميع أنحاء العالم”.

شكل بيتر سينغر فلسفته حول فكرة تقليل المعاناة وزيادة السعادة. كان هذا بمثابة الأساس لكتابه ” الحياة التي يمكنك إنقاذها ” ، والذي ألهم حركة الإيثار الفعال.

يؤكد سينغر انه ليس شيوعيا ولا اشتراكيا متطرفا ، وهو لا يدافع عن الضرائب العالية ، ويرفع قبعته لرجال الاعمال الذين يجعلون هذا العالم اكثر غنى .

في منزله يقضي سينغر فتره الحجر المنزلي ، وهو يقول انها برغم صعوبتها ومعاناة الفقراء ، فانها كانت ذات فائدة معنوية بالنسبة له ، لانها جعلته يعيد قراءة كتب كان قد هام بها ايام الجامعة ، ويشير الى كتاب داروين اصل الانواع ويقول عنه بشر هذا الكتاب في الفهم الحديث لما نحن عليه ، وعلاقتنا بالحيوانات الأخرى..ويضيف انه اعاد ايضا قراءة رواية جين اوستن ” كبرياء وهوى ” التي يصفها بانها كتاب لا يفوقه كتاب آخر يقدم لمراقبة الدقيقة للأخلاق والشخصية والعواطف ، ، اما الكتاب الثالث فهو كتاب احد فلاسفته المفضلين ” الحرية ” لجون ستيورات مل والذي يقول انه كان بمثابة اول درس يتعلمه عن الحرية الفردية وحرية التعبير

 

وعندما يساله الصحفي عن توقعاته لمستقبل العالم ، يقول : ” ليس لدي كرة بلورية ، حقًا. لا أدري، لا أعرف. أنا قلق للغاية بشأن تغير المناخ ، لأننا ربما وصلنا إلى مرحلة لا يمكن عكسها حقًا. هذا هو نوع الجانب السلبي الحقيقي. أعتقد أننا سنكون قادرين على التعامل بجدية أكبر مع مشكلة الفقر العالمي ، وآمل أن نكون بالفعل. أعتقد أننا نستطيع فعل ذلك إذا بذلنا بالفعل المزيد من الجهد. وآمل أيضًا أن نطور ، بشكل عام ، أخلاقيات أكثر اتساعًا تشمل الكوكب بأكمله ، وكل من فيه ” .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.