دين فكر مختارات مقالات

عن الإلحاد: فليستعذ بالله ولينته

كتب د. عنتر صلحي:

في ظل الهجمة الإلحادية وانتشار الشك في الثوابت الدينية، يظل الشك مسيطرا على الشاب فيبدأ في الشك في القيم الدينية والروحية المحيطة به، حتى ينتقل الشك إلى النصوص الأولية للدين؛ السنة والقرآن الكريم (على ترتيب وقوع الشك)، ثم يتجه بالشك إلى وجود الخالق سبحانه وتعالى، بل قد يشك في وجود ذاته المفكرة نفسها.

ولذا كان من الضروري معرفة متى يتوقف الإنسان عن الغلو في هذا السبيل، وقد كان لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة الذي قال : يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا وكذا حتى يقول له من خلق ربك، فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته. (البخاري ومسلم).

فقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه توجيه لأمرين:

الأول الاستعاذة من الشيطان فهو الذي يوسوس للإنسان بهذه الأسئلة – وهذا علاج نفسي يجعل الشخص الشاك يدرك أن هناك عدوا له وأن هذه العدو يؤثر على نفسيته قبل عقله، فيبدأ بالناحية النفسية إذ يلجأ ويلتجئ إلى الله سبحانه وتعالي العلي القدير من شر وسوسة هذا الشيطان الرجيم، وفي هذا ما فيه من الراحة النفسية الأولية – بمعرفة العدو والارتكان إلى حصن شديد منه.

لكن التوجيه النبوي الحكيم لا يتوقف عند الناحية النفسية، بل يناقش المسألة العقلية نفسها؛ فقوله صلى الله عليه وسلم (ولينته) لا تعني فقط (يتوقف) عن سلسلة الأسئلة، ولكن تعني كذلك (فليجعل للسلسة نهاية)، ومعنى هذا الكلام، أنك إذا سألت من خلق كذا وجاءك الرد (خلقه ذاك)، فيكون السؤال التالي (ومن خلق ذاك؟) فيكون الرد (خلقه ذلك) فيكون السؤال التالي (ومن خلق ذلك؟) وهكذا لا تنتهي السلسلة. والعقل يقول إنك لابد أن تنتهي عند كينونة معينة يبطل عندها التسلسل، وإلا فلا نهاية في الأسئلة ولا الأجوبة، ولابد من وجود ذات خالقة غير مخلوقة، لابد من وجود خالق مستغني بذاته، غني عن العالمين، غني عن أن يحتاج إلى من يخلقه. ولذلك فالتوجيه النبوي لا يعني أن تتوقف وتسلم بغير علم ، ولكن يعني أن تتوقف لأنه لابد من التوقف في مرحلة ما، وأنت قد بلغت هذه المرحلة الآن بالوصول إلى (الله سبحانه وتعالى) ولم يعد ثم ضرورة للمزيد من الأسئلة عن محدث الحادث (لأن الله سبحانه وتعالى قديم غير حادث وهو محدث الحوادث ومخالف للحوادث)، وصدق الله العظيم في كتابه الكريم: “وأن إلى ربك المنتهى”! ولكن يمكن الآن التفكر في صفاته سبحانه ومحاولة معرفته، فينتقل الحديث من الشك في الوجود والخلق إلى الاعتراف بالذات الأولى والخالق السرمدي، ومن هذه المعرفة تنبثق الأنوار لمعرفة كل شيء آخر.

والله أعلم.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.