تقنية مختارات مقالات

في البحث التربوي

في البحث التربوي

بقلم: ا. عنتر صلحي

سألني أحد الباحثين المساعدة في محتوى برنامج بحثه التي يسعى به لنيل الدكتوراة، وهو عن أثر برنامج تدريبي للمعلمين على تحصيل طلابهم. فأثار في بحثه شجونا تربوية وبحثية كثيرة؛ ذلك لأن عندي إعتراضات كثيرة على هذا النوع من الأبحاث، أجملها فيما يلي -(عسى يكون بهذا فائدة لغيره من الباحثين):

1. إن صياغة عنوان البحث يعني أن التدريب سيقدم للمعلمين لكن أثره سيقاس على طلابهم وليس عليهم هم. وفي هذا مغالطات تطبيقية وإشكالات كثيرة. صحيح أن به وجاهة للبرنامج أن يتعدى تأثيره المتدربين إلى من يلونهم من الطلاب، لكن هذا في الواقع تلفيق كبير.

2. من الصعوبة بمكان إخضاع المعلمين إبتدءأ لتدريب يستغرق على الأقل 15 ساعة تدريبية (3 ساعات في 5 أيام)، فكم عانينا من تطبيق إختبارواحد على المعلمين يستغرق ساعة أو ساعتين، وكم رأينا المعلمين وهم يعبأون استمارات الاستبيانات بالعلامة على (موافق بشدة) دون قراءة البنود، وكم عايشنا معاناة الحصول على الموافقات -وغالبا لا تتم- لملاحظة أداء المعلمين في فصولهم لقياس الأداء. فإذا طلبت من المعلمين الآن الانتظام في تدريب تنمية مهنية لمدة 5 أيام فقط، لن تجد فيهم مستجيبا سوى أقل القليل وفي الغالب تدفعه صحبة الباحث أو شفقته عليه للاستجابة. وقد رأينا أن المعلمين لا يهتمون بالتدريب إلا إذا كان مقدما من الوزارة ويترتب عليه ترقية،أو يقدم لهم فيه حوافر مادية أوعينية مثل بدلات السفر وبدلات التدريب والإقامة بالفنادق الفاخرة والحصول على المواد التعليمية المفيدة والأدوات التعليمية الغالية. فماذا يمكن لباحث غلبان أن يقدم حافزا للمعلمين للمشاركة في تدريب لا يملك لهم فيه دافعا يضمن انتباهم وتركيزهم؟

3. فإذا تغلبنا على مشكلة خضوع المعلمين للتدريب، تتبقى مشكلة العينة التي يجب أن تكون ممثلة (وإلا كان البحث دراسة حالة وهو ما يفر منه معظم أقسام المناهج بمصر)، ولكي تكون ممثلة لابد أن يكون العدد الأدنى المقبول لإجراء تجربة هو 40 معلما في المجموعة التجريبية سواء تمت مقارنتها بأخرى ضابطة أم لا. تظهر الآن مشكلة إقناع 40 معلما -ومن ورائهم مديري مدارسهم – من مدارس مختلفة في تخصص واحد بالتفرغ لحضور التدريب الذي يستمر عدة أيام.

4. فإذا قلنا إن التدريب سيكون فعالا لدرجة تؤثر على تحصيل تلاميذهم، وجب علينا إجراء اختبارات تحصيلية لطلاب الفصول التي يدرسها المعلمون الأربعون (إذا فرضنا أن لكل معلم ثلاثة فصول فقط، صار عندنا 120 فصل، وإذا كان بالفصل الواحد 40 طالبا، صار مجموع الطلاب الممتحنين 4800 تلميذ)، وإذا كان هناك أكثر من معلم من مدرسة واحدة، صار علينا تفريغ نصف المدرسة تقريبا لاختبار الطلاب. ولا يكفي أن نختار عينة من طلاب المعلمين، فإن أي اختيار عشوائي لن يكون ممثلا، خاصة وأننا قد اخترنا بالفعل عينة المعلمين سابقا لتكون ممثلة لمجتمع المعلمين.

5. تتبقى المتغيرات الوسيطة الكثيرة؛ فإذا كنا نشك كثيرا عندما نقوم بتجربة طريقة جديدة أو برنامج على الطلاب ونختبرهم قبليا وبعديا ، ونظن أن التحسن في التحصيل يغلب عليه التأثر بالبرنامج أو الطريقة مع احتمالية تأثيرات أخرى كالحالة الصحية للطلاب أو الظروف البيئية والمناخية والضوضاء وصعوبة الاختبار والحالة المزاجية للمراقبين وغير ذلك، فما بالنا إذا كنا سنقيس تحصيل طلاب لم نشملهم بتجربة أصلا بل شملنا معلميهم؟ وهل معنى أن طلاب أحد المعلمين لم يتحسن تحصيلهم أنه لم يستفد هو من التدريب؟ أفلا يقوم احتمال أنه فهم وانتبه و جاهد وطبق لكن مستوى الفصل سيئ والطلاب مهملون؟ وهل معنى أن طلاب أحد المعلمين قد تحسن تحصيلهم أنه استفاد من التدريب؟ ألا يقوم احتمال أن تحسن أداء الطلاب كان بسبب آخر مثل الدروس الخصوصية أو التعلم الذاتي أو أنهم ببساطة في فصل الفائقين؟

6. لا أقول إن قياس أثر برنامج للمعلمين على تحصيل تلاميذهم مستحيل، ولكنه لا يتم بشكل صحيح في مؤسساتنا البحثية. والصحيح هو ما يقوم به نموذج كلباترك مثلا الذي يقيس أثر التدريب على أربعة مستويات: 1)على الاتجاهات من خلال الاستبان و2)على معرفة المتدربين من خلال الاختبار، ثم 3) أثره على الأداء المباشر وذلك بتحسن الممارسات التدريسية للمعلم على مدى بعيد يصل لسنوات، ثم أخيرا 4) أثر البرنامج على الأدء غير المباشر بقياس مدى التحسن في تحصيل الطلاب عبر هذه السنوات. وهذا ما كانت تقوم به بعض الجامعات الأمريكية نحو خريجيها؛ ففي العام الأخير يخضعون للاستبيان والاختبارات، ثم بعد التخرج بعام، تتواصل معهم الجامعة لمعرفة الأماكن التي حصلوا على عمل بها، ثم بعد عامين تتواصل مع أرباب أعمالهم لمعرفة مدى تأثر العمل بكفاءة المعينين من خريجها. فأنى ذلك كله لباحث غلبان لا يملك من أمره شيئا سوى بضع معلمين من زملائه المتعاطفين معه ليكمل بحثه ويحصل درجته؟؟؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.