سياسة مختارات مقالات

هل يصبح تدخل الجزائر في ليبيا عسكريا أمرا حتميا؟!

الوضع الأمني في ليبيا وتحديات الدور الجزائري في المرحلة المقبلة:
هل يصبح تدخل الجزائر عسكريا أمرا حتميا؟

بقلم: أ. عمّارية عمروس – الجزائر
باحثة متخصصة في الشؤون الأمنية والإستراتيجية

من مبادئ السياسة الخارجية الجزائرية الثابتة عدمُ التدخل في شؤون الدول، والعمل على حل النزاعات بالطرق السلمية. هذا ما تضمّنته الدساتير الجزائرية منذ الاستقلال، وانعكس على صعيد الممارسة. وحتى وظيفة الجيش الوطني الشعبي (المادة 28 من دستور 2016) ظلت محددة بحماية الاستقلال والسيادة الوطنيين كمبدأ ثابت في العقيدة الأمنية، ولم يتدخل الجيش الجزائري خارج الحدود إلا في 1967 و1973 خلال الحروب العربية- الإسرائيلية.

مبادئ السياسة الخارجية للجزائر انعكست على موقفها من الصراع في ليبيا منذ 2011، فقد عملت على لعب دور الوساطة بتصدير فكرة الحوار والمصالحة الوطنية، مقابل التزام الحياد الإيجابي من خلال عدم تقديم دعم صريح لأيّ من أطراف الصراع، وإنْ كانت حكومة الوفاق الوطني لفايز السرّاج هي الشرعية والمعترف بها دوليا.

واستقبلت الجزائر في السابق مختلف أطراف النزاع الليبي على أرضها ومن بينهم خليفة حفتر، ولكنّ فشل الالتزام بمخرجات اتفاق الصخيرات بالمغرب لسنة 2015، واستمرار التدخل الخارجي في الشأن الليبي من قبَل دول عربية وأجنبية، وهو التدخل الذي يأخذ أشكالا متعددة أبرزها الشكل العسكري، إلى جانب تهديد حفتر للجزائر بصيغة هجومية، وانتشار السلاح والجماعات الإرهابية، كلها عوامل شكّلت تحديات متتالية بالنسبة لدور الجزائر في إدارة النزاع الليبي، وتحديات أخرى على صعيد الأمن الوطني.

وتُعد تحركات راشد الغنوشي (رئيس مجلس النواب التونسي) الأخيرة، والتي يدعم من خلالها التدخل التركي في ليبيا، غير مريحة ولا خادمة لتطور الملف الليبي واستقرار المنطقة على الصعيد الأمني. في هذا الشأن، رفضت الجزائر مرارا وتكرارا التدخلات الأجنبية في شؤون الدول باعتبارها من عوامل تغذية الصراعات.

الملاحَظ في الوقت الراهن أن التحديات أمام الدور الجزائري في ليبيا وأمن المنطقة ككل تظل في طور التعقيد، ومن خلال ما سبق يمكن القول إن دور الجزائر في المرحلة المقبلة يتوقف على مدى الالتزام (المعهود) بالمبادئ والثوابت الدستورية، والمعروف عنها أنها تمتلك حنكة دبلوماسية وتمارس دبلوماسية الفعل. وقد جاءت مسودة تعديل الدستور (مايو 2020) بمراجعة لدور الجيش من خلال تناول إمكانية التدخل في المنطقة لاسترجاع الاستقرار، بعد الاتفاق مع الأطراف المعنية. هذه النقطة تطرح جدلا واسعا في إطار ما يجري في ليبيا ومالي، والتخوف من تورّط الجزائر في نزاعات خارج حدودها.

يضاف الى ذلك مدى فعالية الدور الدبلوماسي للجزائر في تحويل إدارة الملف الليبي نحو السيناريو المرغوب فيه أو الأقل تهديدا لاستقرار المنطقة ككل، خاصة وأنها تبقى فاعلا محوريا في المنطقة بإمكانها تغيير موازين القوى، وهي تسعى -من جهة ثانية- إلى بعث نشاطها الدبلوماسي الذي تعثّر خلال السنوات الأخيرة.

وفي ظل الشرعية الدولية التي يحظى بها السرّاج، قد يصبح الموقف الرسمي الجزائري تجاه الصراع في ليبيا أكثر وضوحا من خلال الاعتراف المعلَن بدعم حكومة الوفاق الوطني. ولكن هذا سيجعلها في عداوة مع جبهة حفتر والأطراف الداعمة له.

كما ترتبط تحديات الدور الجزائري بمدى إمكانية العودة إلى بنود اتفاق الصخيرات الذي يؤسس لدولة القانون (تأسيس حكومة وفاق وطنية، مجلس أعلى للدولة، هيئة تشريعية متمثلة في برلمان طبرق، إلخ)، والذي كان برعاية أممية، وإن كان الأمر صعبا الآن.

لقد بات واضحا، خلال مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية (12 كانون الأول 2019)، أن الجزائر تسعى إلى جعل دورها أكثر فعالية في إدارة الملف الليبي، وقد تكون مراجعة مبدأ التدخل خارج الحدود في سياق التعديل الدستوري المقترَح نقطةً فاصلة لدخول مرحلة جديدة في إدارة النزاعات الإقليمية بالنسبة للجزائر، لكن التداعيات المحتمَلة لذلك تظل عاملا للقلق في ظل استمرار موجة التدخلات في الشأن الليبي وتهديد سلامة الأمن في المنطقة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.