سياسة مختارات مقالات

الصراع التركي الروسي على خيرات ليبيا

تركيا والقوى العظمى .. صراع نفوذ مفتوح للهيمنة على خيرات الشرق الأوسط: ليبيا نموذجاً

بقلم: محمد زهير جنيد
ماجستير دبلوماسية وعلاقات دولية

إن الأهمية التي تحظى بها المنطقة العربية كنز استراتيجي ضخم للقوى العالمية العظمى التي تنظر إليها كأنها بمثابة قطعة اللحم الشهية التي يجب ان تضع يدها عليها، وتمنع الأطراف الأخرى من مجرد التفكير في الاقتراب منها.

مع الحراكات الشعبية العربية التي بدأت في عام 2011 كانت تلك البقعة الاستراتيجية مثارا للتنافس الأمريكي الروسي البريطاني الهادف للهيمنة، والسيطرة على ثرواتها النفطية، والمعدنية – حيث تستحوذ المنطقة على 62% من اجمالي احتياطي النفط في العالم – بالإضافة لمواردها الطبيعية، وشرايينها الملاحية التي تربط نصف الكرة الأرضية الشمالي بالجنوبي، إلا انه بعد سلسلة الحراكات الشعبية العربية حدث تحول استراتيجي في مسار الأمور، وبعد ان كانت المنطقة مثارا للتنافس الدولي دخلت أطراف إقليمية أخرى لتحاول فرض سيطرتها ونفوذها على دول المنطقة، وكان أبرز تلك الأطراف تركيا وإيران اللتان تحاولان باستماته استخدام المنطقة كورقة ضغط من أجل تحقيق مصالحهما مع الدول الغربية، وإيجاد موضع قدم لهما ضمن خريطة القوي العظمى المؤثرة في العالم.

تركيا تحاول الدخول للمنطقة العربية من خلال عدد من الأبواب المختلفة أبرزها الباب التاريخي عن طريق محاولة إحياء زمن الإمبراطورية العثمانية، وهو ما يتضح بقوة في الدراما التي تصدرها للعالم العربي بمختلف أنواعها، فضلا عن تصوير نفسها كنموذج إسلامي في نفس الوقت يتبع المنهج العلماني في التفكير ويحارب السيطرة الإسرائيلية ويدافع عن الدين الإسلامي والمقدسات العربية مستغلة في ذلك الأزمة الفلسطينية، وتطوراتها المتلاحقة فضلا عن محاولاتها المستمرة للتوغل وبسط النفوذ داخل الأراضي العراقية والسورية مستغلة اشتراكها في مياه نهر دجلة والفرات مع كلتا الدولتين، ولا ننسي ان هناك رغبة مشتركة عربية تركية في عدم قيام دولة كردية بالشمال السوري أو بالأراضي العراقية لما يمكن ان يسببه ذلك في إحداث مزيد من التوترات والنزاعات في المنطقة الساخنة، أي ان تركيا تحاول ان تصور نفسها كصانع للسلام والتعاون الاقتصادي صاحبة التاريخ الإسلامي والفكر الأوروبي الحديث المستنير، و في نفس الوقت القوة الاقتصادية والسياسية القادرة على مساعدة الشعوب العربية لتحقيق أحلامها في مستقبل أفضل.

علينا أن نرى ايضا الساحة الساخنة الآن في ليبيا، التي فيها فتحت تركيا جبهة عسكرية الى جانب الحكومة المعترف بها لفايز سراج والى جانب قطر ضد الزعيم الانفصالي خليفة حفتر الذي تدعمه روسيا ومصر ودولة الامارات وفرنسا.

صحيح أن تدخل تركيا نجح في صد تقدم مليشيا “الجيش الوطني الليبي” لحفتر ومنعه من احتلال العاصمة طرابلس والسيطرة على مطار وطية في جنوب الدولة، إلا أن المعركة ما تزال في أوجها.

ينعكس هذا التغيير على طاولة المفاوضات وفي ساحة المعركة، بدعم تركي، تمكنت الحكومة الليبية الشرعية من وقف هجوم عسكري شنه حفتر الذي يتمتع بدعم من فرنسا وروسيا ومصر والإمارات العربية المتحدة.

وتبقى نتيجة هذه العملية قيد النظر، لكننا نعلم بالفعل أن أمير الحرب حفتر يجد نفسه تحت ضغط متزايد بسبب فشله العسكري على الرغم من الدعم الأجنبي الواسع.

ومؤخرا، لم تعد الأحداث الميدانية في ليبيا تسير وفق المخططات التركية، فعلى الرغم من الدعم العسكري التركي وتزويد ميليشيات طرابلس بالأسلحة، إلى جانب إرسال مرتزقة سوريين للقتال إلى جانب حكومة الوفاق، فإن النتائج تأتي عكس أهداف تركيا.

ولفهم مجريات الأحداث في ليبيا خلال الأسابيع الاخيرة، لا بد من تسليط الضوء على أبرز التطورات التي جرت، والتي تعد كلها مؤشرا على مخطط تركي جديد في ليبيا.

ففي الوقت الذي دعا فيه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس إلى وقف إطلاق النار في مناطق النزاع حول العالم لتوحيد الجهود العالمية في مواجهة وباء كورونا، بدأت تركيا بعملية عسكرية ضد قوات الجيش الوطني الليبي، في أبريل الماضي.

في حين تستمر أنقرة بدعم قوات الوفاق الليبية عسكرياً بمختلف أنواع الأسلحة وبالمقاتلين الأجانب، وسياسيا ودبلوماسيا، أكد وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، أن تدخل بلاده قلب الموازين في ليبيا.

هذا وكانت أنقرة وقعت اتفاقا مثيرا للجدل نهاية شهر نوفمبر الماضي مع حكومة الوفاق لترسيم الحدود البحرية، يسمح لأنقرة بالاستحواذ على مناطق بحرية والاستفادة من موارد الطاقة، ومنذ ذلك الحين عملت على مساعدة حكومة الوفاق على البقاء في الحكم وتثبيت وجودها، من خلال دعمها عسكريا بمختلف أنواع الأسلحة وبالمقاتلين الأجانب، وسياسيا ودبلوماسيا

كانت موافقة البرلمان التركي على طلب أردوغان في تنفيذ مهمة عسكرية في ليبيا، شكلية وذلك للأغلبية التي يتمتع بها حزب العدالة والتنمية، لكن السؤال يبقى مطروحا: ما مكاسب أنقرة من التدخل في ليبيا؟ وماهي العواقب المحتملة؟

يشار إلى أن تركيا قامت بعدة عمليات في السنوات الماضية في دول مجاورة، خصوصا في سوريا والعراق، بهدف محاربة مقاتلين أكراد وجهاديين كما تقول. ولكن في الحالة الليبية، فإنّ تركيا لا تتقاسم حدودا برية مع ليبيا الواقعة على مسافة 1500 كلم، ما يطرح عدة إشكالات لوجستية لبلد قد يعاني من ضعف على مستوى قدراته في توسيع نطاق الأعمال العسكرية. ويقول أولغن إنّ “التحدي الأول يتمثل في إمداد القوات”، فيما يتمثل الثاني في “تحقيق التفوق الجوي” الضروري للتحكم بميادين القتال.

لا يعدّ دعم أنقرة لحكومة الوفاق الوطني جديداً، غير أنّ التعهد بإمكانية التدخل العسكري يأتي في الوقت الذي تعاني فيه القوات الموالية لهذه الحكومة من صعوبات في مواجهة قوات حفتر. وتحتاج أنقرة إلى بقاء هذه الحكومة التي وقّعت معها في تشرين الثاني/نوفمبر اتفاقا بحريا مثيرا للجدل، إذ يتيح للسلطات التركية التمسك بمطالب سيادتها على مساحات في شرق المتوسط الغني بموارد الطاقة. ويعدّ هذا الاتفاق الورقة الرئيسة التي أصبحت في جعبة أنقرة في مواجهة دول متوسطية أخرى مثل قبرص واليونان ومصر وإسرائيل.

غير أنّ الخطر الأساسي يكمن في حصول صدام مع موسكو. فحتى إذا كانت روسيا تنفي وجود مرتزقة من مواطنيها يقاتلون إلى جانب قوات حفتر، فإنّ مبعوث الأمم المتحدة غسان سلامة وتركيا يشيران إلى وجود هؤلاء. وقد تؤدي اشتباكات بين قوات تركية ومرتزقة روس مفترضين، إلى عودة التوتر بين تركيا وروسيا اللتين تجاوزتا في 2015 أزمة دبلوماسية خطيرة للتقارب والتعاون في سوريا.

ولكن يمكن لأردوغان أن يعوّل برغم ذلك على علاقاته الجيدة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين الذي يقوم بزيارة إلى تركيا الأسبوع المقبل. إنّ “الأتراك والروس أظهروا حتى الآن أنّه برغم التوتر والأزمات التي يمكن أن تشوب العلاقات بينهما، فإنّهما يعرفان كيفية تجنب المواجهة المباشرة”.

كما من المحتمل أن يساهم تدخل عسكري تركي في ليبيا في زيادة التوتر بين أنقرة وعواصم أوروبية مثل باريس وبرلين ولندن.

ويبدو أن دور القوات التركية في ليبيا سوف يركز على مهام “التدريب والاستشارات”، لكنه وصف فضفاض لهذا الدور. فإذا وجدت الحكومة الليبية نفسها في مأزق لا خلاص منه، فحتما ستجد تركيا نفسها مجبرة على الانخراط المباشر في القتال. لذلك يمكننا القول إن دور القوات التي نشرتها تركيا في ليبيا لم تتحدد ملامحه بعد.

بذلك يمكن وصف ما يحدث في ليبيا بأنه صورة مصغرة من الكارثة الكبرى التي تشهدها سوريا، لكن من الواضح تماما أن هناك المزيد من فصول مسرحية أزمة ليبيا والدور الأكبر لتركيا فيها ستتكشف خلال الأشهر القليلة المقبلة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.