عالم المرأة مختارات مقالات

عمل المرأة في المنزل بين الشكوى والرضا

لماذا لا يشكو الرجال من أعمالهم ؟

بقلم: آلاء السوسي

مرةً حين كتبت عن عمل المرأة في المنزل ، كانت بعض التعليقات حول: لماذا لا يشكو الرجال من أعمالهم ؟

الجميع يعاني هذه العبودية، يعانيها الرجل في الوظيفة كما تعانيها المرأة في المنزل، كان الكلام يدور حول عبودية العمل التي اختلقها النظام الرأسمالي، والذي لا تقل مشقته عن مشقة العمل اليومي للمرأة في المنزل.

في الحقيقة فكرت في الأمر، وانتهى بي التفكير إلى كون عمل المراة أكثر إيلامًا لأنه غير مرئي ولا ملاحظ ولا ينتج عنه شيء سوى المزيد منه، تعيش المرأة دائرةً مفرغة من التكرار اليومي لذات الوظائف التي لا أجل لنهايتها إلا بانتهاء حياتها، تستيقظ لتغسل ذات الأطباق التي غسلتها أمس، وتنظف نفس البيت الذي نظفته قبل ساعتين، وتكوي ذات الملابس، وترتب نفس المكان، وهي تعلم تماماً أن هذا كله سيفسد، لتعود إلى تنظيمه مرةً آخرى، هكذا في دائرة مفرغة لا نهاية لها، تستمر بلا توقف ولا انقطاع، ولا أيام للإجازة والراحة.

قد يدور الرجل في نفس الدائرة، لكن ثمة فواصل زمنية لهذا الملل، هناك إجازة نهاية الاسبوع، هناك الخروج من فضاء العمل إلى اي فضاء آخر، هناك مهرب دائماً، والأهم من ذلك كله، هو نهاية الشهر التي تحمل معها مكافأة العمل، بحيث يشعر الإنسان أن ثمة حصيلة لعمره الضائع في ساعات عمله، هناك مقابل على الأقل، دعونا لا نناقش كل فرضيات الماركسية حول الاغتراب وسرقة ساعات العمل من العامل، لكن هذا وحده يمنح القيمة للعمل وعامله، خاصة في عالم رأسمالي كعالمنا.

في حياة المرأة، لا يحدث ذلك، الامر يشبه -بالنسبة لي- عذاب سيزيف، الذي يحمل الصخرة كل يوم ثم يصعد إلى أعلى الجبل ثم تنحدر، ليعيد الكرة مراتٍ ومراتٍ بلا انقطاعٍ ولا توقف.

يبدو الأمر بلا معنى إلا إذا بدأت أعمِّق وعياً حول قيمة العائلة، وفكرتها -أخلاقيًا-، دون هذا الشعور الأخلاقي بفكرة العائلة، ومن ثم كون البيت هو فضاؤها المادي الذي يلعب دورًا في تكوينها وتشكيلها، لا يكون لهذا أي معنى.

وهو ما تشعر به النساء -على الاغلب-؛ لأن أزواجًا كثيرين يعتبرون الاعمال المنزلية شيئًا هينًا وبسيطًا، وتفعله النساء منذ الأزل، بل ويعتبرون أعمالهم ووظائفهم اشق وأكثر قيمة مما تقوم به زوجاتهن، وهذا مصدر الإحباط والاكتئاب، وشعور المرأة بأن العمر يضيع في المطبخ والحمامات، وبين أرجل الكنبات التي تراكم حولها بعض الغبار!

عمل المرأة يومي، غير تاريخي بأي شكل من الاشكال، إنه لا مرئي، عادي وطبيعي وغير متمايز، تقوم به النساء منذ الأزل، وتقوم به النساء من كل شكلٍ ولونِ وعرق، فلماذا التذمر، لماذا التفكير بإضفاء معنى خصوصي فردي على هذا العمل، بوصفه عملًا خاصا بامرأةٍ واحدة، وليس وظيفة جماعية؟ إن هذا التفكير بلا تاريخية، ولا فردية هذا العمل، وما يترتب عليه من كونه لا مرئيًا، هو مصدر اغتراب المرأة عن حياتها، وشعورها بالاستلاب الدائم، والاستنزاف من قبل العائلة.

في الماضي كان هناك تعويض للمرأة، لأن العائلة وجماعة العائلة كانت كلًّا يشتمل على أجزاء، وكانت المرأة جزءًا يشعر بانسجامه الوظيفي مع بقية الأجزاء، دون التفكير بالوظيفة نفسها.

أما في عصرٍ فرداني، فإن القيام بعمل لا يُعترف بفرديته هو تهديد للوجود، ولا أبالغ بهذا الوصف، إنه تهديد للوجود، يظهر على شكل اكتئاب متزايد لدى النساء، خصوصًا مع انفتاحهن على تجارب بعضهن البعض، ووجود مجال افتراضي يمنحهن القدرة على التعبير عن هذا “الاكتئاب” الذي لا يعرفن مصدره، ولا يستطعن توصيفه، وإنما يعبرن عنه بحالة دائمةٍ من الملل.

حاولت بعض النساء جعل عملهن مرئيًا من خلال التطرف في إظهاره، مثلًا: هناك حساب على انستجرام لسيدة تركية يختص بيوميات العمل المنزلي، ومهارات التنظيف والكي وترتيب البيت بحرفية، بحيث يتحول البيت وترتيبه وتنظيفه إلى هوس، عمل دائم لا ينقطع، لقد أصبحت السيدة مشهورة عبر انستجرام، جعلت حياتها اليومية مرئية، وربما -بهذا- استطاعت أن تشعر بوجودها غير مهدورٍ في ساعاتٍ طويلة من التنظيف والكي والغسيل.

أعرف هذا النوع من التعيلقات الذي سيقول إنني أبالغ، حسنًا، سأقول إنني أبالغ في الأمر قليلًا أو كثيرًا، أو إنه ليس من حقي التعميم، أو أن العمل المنزلي أهون مما وصفت، وأن الأمر بحاجةٍ إلى تنظيم ودراية فقط، ستكون هذه التعليقات محقة في كونها تتكلم عن ذاتها، وسأكون محقة -بالطبع- حين أبالغ، لأن أمي كانت دائمًا تقول، وبعد قضاء يوم طويل في الترتيب والتنظيم والطبخ: العمر بيخلص والشغل ما بيخلص. تقصد “عمل البيت”، وأنا أؤمِّن على كلام أمي، وأستخلص من التجربة: أنه يجب ألا ينتهي عمري في المطبخ.

هذه المقالة حول عمل المرأة في المنزل ولماذا لا يشكو الرجال من أعمالهم، إن لديك تجربة مشابهة، ننتظر تعليقك. 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

2 Replies to “عمل المرأة في المنزل بين الشكوى والرضا

  1. في كل مرة اعتدت على قراءة المقالات أو المراجعات الأصغر التي أوضحت أيضًا دوافعها ،
    وأنني أسعد أيضًا مع هذا المقال الذي أقرأه الآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.