فكر مختارات مقالات

ريجيس دوبريه وأوربا كورونا

ريجيس دوبريه وأوربا كورونا

بقلم: علي حسين

إلى أي مدى يمكن أن تتدخل الحكومات في الحياة الخاصة لمواطنيها ، كم يجب أن يُضحي كل فرد من أجل الصالح العام؟ ، هل العالم مقبل على تغيرات جذرية ؟ .. في ضوء انتشار فايروس كورونا ، ازدهرت هذه الاسئلة التي تناقش البوصلة الأخلاقية للأفراد والسلطات من داخل الفلسفة . يكتب الفيلسوف الفرنسي جان لوك نانسي أن الفلسفة تصبح وثيقة الصلة للغاية بالناس في حالات الأزمات ، لأن العلاقة بين الناس وقوة الدولة تخضع للاختبار.

يجلس ريجيس دوبريه في شقته الفاخرة وسط باريس ، يتذكر مارتن هايدغر وقراره بالانعزال عن العالم يكتي هايدغر :” غالبا ما يندهش اهل المدينة من انعزالي الطويل الرتيب في الجبال مع الفلاحين . إلا ان هذا ليس انعزالا ، وانما هي الوحدة . ففي المدن الكبرى يستطيع المرء بكل سهولة ان يكون منعزلا اكثر من اي مكان آخر ، لكنه لا يستطيع ان يكون فيها وحيدا ، ذلك ان للوحدة القدرة الاصلية على عدم عزلنا . يؤمن دوبريه ان الفلسسفة وحدها هي التي يمكن ان تمكننا من الدخول في حوار واسع ، لا مع بعضنا البعض ، وانما مع جوهر الاشياء كلها اشار هايدغر .

:” يجيب ريجيس دوبريه على سؤال عبر الانترنيت : ” كيف يفهم المرء الأسئلة التي طرحها علينا فايروس كورونا ؟ قائلاً : يعتمد إلى حد كبيرعلى الكيفية التي يتصور بها المرء دور الحكومة ، ويضيف : في التقاليد الديمقراطية التي ورثناها منذ عقود ، الحكومة هي ممثل الشعب ، والغرض منها هو تأمين حقوق الشعب ومن هذه الحقوق ، الحرية والأمن .

على احد رفوف مكتبته يضع ريجيس دوبريه الذي سيدخل عامه الـ” 80 ” بعد اسابيع قليلة ، عبارة مقتبسة من موسوعة العلوم الفلسفية لهيغل تقول :” الفلسفة التجريبية تلك التي تتخلى عن البحث عن الحقيقة في الفكر نفسه ، وتسعى للتفتيش عنها في التجربة ” ، يقول للصحفي الذي يحاوره من ان الضحية الاولى للحروب هي الحقيقة ، ويتذكر دوبريه الدرس الاخلاقي الذي قدمه البير كامو حين كتب على لسان أحد أبطال رواية الطاعون: ” ما نتعلمه في خضم الكوارث هو أن لدى البشر من الأشياء ما يستحق الإعجاب أكثر مما لديهم مما يثير الاشمئزاز” .

يصر دوبريه أن تُترك الحرية للفيلسوف في زمن الوباء ، لكي يزعج العالم كعادته ، فطوال تاريخها كانت الفلسفة مصدر ازعاج منذ ان اعلن سقراط ان اسئلته تَخلع عن الأشياء قناعها العادي ، هذه هي مهمة الفلسفة يقول دوبريه انها تثير الزوبعة في كل مكان تدخله .. ولهذا يطلب من السياسيين أن يخففوا من ارتكاب الشرور ما أمكن، وهذا لا يحول دون تبادل المعلومة و التحاور والإنصات إلى بعضنا البعض :” كلام السلطة الرسمية كان سيئا، علينا الاعتراف بكوننا كنّا تائهين، من يتحمّل المسؤولية؟ لقد كان على المسؤولين تعويض عزلتهم الراجعة لغياب المثُل العليا عندهم، بالحديث الناعم، يكمن الإشكال في اعتقادهم بإمكانية تعويض ذلك(غياب القيم) عبر إحكام الاتصال و الخطاب الوجداني، لكنهم يزدادون غرقا و يفقدون ثقتنا تماما. عليهم ان يكونوا حذرين فــ “عندما تتوقف الشعوب على الاحترام، فإنها تمتنع على الطاعة ” . يذهب دوبريه إلى القول ان وباء كورونا عرى المجتمعاة الاوربية ويسخر قائلا :” أن الملوك صاروا عُراة ” هل نحن في حلم ؟ يقول دوبريه :” ان الحُلم يكمن في كوننا كنا دائما نعيش وهم وجود دولة تُخطّطُ و تحمي ” فاكتشفنا اليوم انها تختبيء وراء جبالا من الاكاذيب .

دوبريه يؤكد ان الوباء وجه رسالة شديدة القسوة للبشرية :” في الملك أوديب، أرسل أبولو الطاعون إلى طيبه، في القرون الوسطى أرسل الله الطاعون لعقاب البشر على خطاياهم. اليوم نحن نقول إنها رسالة من (سيدتنا الطبيعة ) حتى تُذكرنا بواجباتنا البيئية. نحن في النهاية ننال ما نستحق من عصر الى آخر ” .

ريجيس دوبريه المولود في الثاني من كانون الثاني عام 1940 سيظل طوال اكثر من نصف قرن يشغل المشهد الثقافي الفرنسي ، منذ كتابه الأول: “الثورة في الثورة” الذي صدر بداية عام 1967 وقد تحاور في مضمونه مع كاسترو قبل صدوره ، والكتاب يستند على مقولة لينين الشهيرة “:” ليست هناك ممارسة ثورية بدون ثورية ” حيث يؤكد دوبريه في كتابه إن نجاح أية ثورة يكون بفعاليتها الثورية ، وهذا يتوقف على نجاحها في التطبيق على أرض الواقع .

في نيسان من عام 1967 يلقى القبض عليه في بوليفليا ويصدر ضده حكم بالسجن المؤبّد بتهمة مساندة الثوار، وفي زنزانة مساحتها لاتتجاوز الثلاثة امتار يضع صورة ديغول على الجدار ، لكنه في الوقت نفسه يكتب عن انتفاضة الطلبة في باريس عام 1968 :” كنت ساشترك في حركة الجماهير كمناضل بسيط ، وكنت ساتبع الجماهير حتى النهاية . ولكن بغير أوهام او خداع للنفس : بعينين مفتوحتين على سعتهما دائما ”

وفي قاعة المحكمة سيقول للقاضي العسكري الذي يسأله عن علاقته بجيفارا :” ألمي الأكبر هو أنني لم أمت بجانبه “، يصدر حكم بسجنه 30 عاما ، وسيتدخل الرئيس الفرنسي شارل ديغول لاطلاق سراحه بعد مناشدات من سارتر وبرتراند رسل وفرانسو مورياك واندريه مارلو وحملة قادها الفيلسوف هربرت ماركيوز . عام 1970 تطلق السلطات البوليفيه سراحة ، ليسافر الى تشيلي للقاء رئيسها آنذاك سلفادور الليندي، حيث يجري معه حوارات مطولة عن الثورة والماركسية والعلاقة مع العالم ، تصدر الحوارات في كتاب بعنوان “محادثات مع الليندي ، وفي التشيلي يعقد صداقة خاصة مع الشاعر بابلو نيرودا “..

عام 1972 يعود دوبريه الى باريس ، حيث عين استاذا لمادة الفلسفة في احدى الثانويات ، عام 1977 ينشر روايته ” الثلج يحترق ” والتي يحصل من خلالها على جائزة فيمينا، العام 1981 يعمل مستشارا سياسيا للرئيس الفرنسي فرانسو ميتران ، وفي هذا العام يصدر كتابه المهم ” نقد العقل السياسي ” ، سيترك المنصب عام 1985 بعد ان وجه انتقادات إلى ميتران حول سياسته في الشرق الاوسط ، ليعود الى التدريس ، العام 1988 يوجه التحيه الى ديغول من خلال كتاب بعنوان ” نراك غدا ياديغول ” ، ينتخب عضوا في جائزة غونكور للاداب ، يصدر اكثر من ثلاثين كتابا تنوعت موضوعاتها بين الفلسفة والسياسة .. يتفرغ منذ عام 1990 لدراسة تاثير وسائل الاعلام والاتصال على العالم ، وكانت حصيلة هذه المتابعة رسالة للدكتوراه قدمها عام 1993 بعنوان “حياة الصورة وموتها.. تاريخ النظرة في الغرب”. ، وسيطلق مصطلح “الميديولوجيا”، حيث يضع من خلاله الاسس الاولى لمشروع فلسفي يدرس كيف تتاثر الثقافة بالوسائط التقنية والمؤسساتية التي تحملها. عام 1996 يؤسس مجلّة “دفاتر الميديولوجيا”، التي ركز فيها على نظرية لـ “البعد” التقني والمؤسساتي للثقافة، باعتبار أن الإعلام وسيلة لذلك.

إن مسألة “التأثير الإعلامي” ودور المثقف في المجتمع، شكّلا الاهتمام الرئيس لدى دوبريه، منذ التسعينات ، حيث يرى أن العالم دخل في عصر الصورة، التي تنبئ بولادة عالم جديد .

لايزال دوبريه يعتبر نفسه من جيل اطلق عليه اسم ” جيل الانتظار ” ، هذا الجيل يصفه دوبريه بـ ( يتامى فكرة نهاية العالم ) كان دوبريه قد كتب قبل سنوات في وصف جيل الانتظار هذا قائلا :” نحن الناجون من كارثة لم تقع. إننا نبدو في نهايتنا، وملامح وجهنا تدل على سوء ما نحن فيه ” ، ملامج الوجه هذه بدت في الاسابيع الاخيرة وكانها تنبيء عن عالم لا مكان لان نتكدس فيه جميعا ، انها حرب غريبة هكذا يصفها في حديثه الاخير :” حيث الأوامر فيها تكمن في البقاء في البيوت. في الحقيقة إنها كارثة أعظم من الحرب ” .وطبقا لدوبريه فاننا اليوم نعيش نوعا من الحروب المضحكة :” حرب حيث يكون للقائد العام شعار واحد فقط : اختبئ ” .

هل نحن نعيش في ظل التشاؤم؟ يجيب بكلمة واحدة : ” نعم ” ويستحضر مقولة غرامشي ” تشاؤم الذكاء، وتفاؤل الإرادة ” ، فنحن في الحروب نموت من أجل شيء ما، وثمة معسكران، و لكن اليوم نجد انفسنا امام فيروس محايد ، يحارب العالم باجمعه :” ليست له راية، إنه لا يكره، ولا هدف له من حربه. أن المأساوي المؤلم في الأمر هو غياب المعنى، انه يكمن في العبث. وهذا ما يجعلنا نعود إلى عبث كامو ” .

يلاحظ دوبريه ان العالم توقف بناءً على مشورة الخبراء ، وهناك قرارات تتخذ وتنفذ مباشرة على اساس ما يقوله هؤلاء الخبراء ، وهو يرى أن الخبراء أكثر ملاءمة لاتخاذ قرارات حول ما هو الأفضل للصالح العام. لكنه في الوقت نفسه يسأل : ماذا لو اختلف هؤلاء الخبراء ؟ .

يشير دوبريه الى أن مشروع الفلسفة يتمثل إلى حد كبير في محاولة بناء اسس للفكر ، لم يعد ثمة سؤال عن كيف يجب ان يحيا المرء ، او كيف يجب ان يفعل ؟ اليوم وفي زمن الوباء ليس ثمة سوى سؤال واحد : كيف يمكن ان يحيا المرء ؟ .

يستعيد دوبريه ما قاله له ذات يوم استاذه لوي التوسير من ان الفلسفة في عصرنا يجب ان تحطم الاطر التي انشأت حول استقلال الفرد وحريته ونزاهته ، والنظرة الى الفرد باعتباره كائن حر فاعل واستبدالها بنظرة ترى الافراد نقاط ترسمها قوى التاريخ كالصراع الطبقي والايديولوجيا .. ولهذا يرى دوبريه اننا نعيش اليوم ما يمكن تسميته ” أزمة مفرطة ” ، وهي من وجهة نظره ثلاث أزمات ” صحية واقتصادية ووجودية؟ :” لكن دعونا لا ننسى أن الارتجاج ، سواء أكان حربًا أم أزمة ، يجعل الأمر كذلك بين المزيف والحقيقي. تنهار أسطح البطاقات ، ويتم فحص الأوزان والمقاييس. على مدار 30 عامًا ، قيل لنا أن أوروبا هي مستقبلنا ، والحدود عبارة عن مفاهيم بغيضة ، وظلت أوروبا تثرثر وتتحدث وتتواصل ، وفي النهاية الصين هي التي تأتي لمساعدة إيطاليا ، وليس فرنسا أو ألمانيا. ألم يحن الوقت لاستدعاء المجرف لا زاحة هذه الاكاذيب ” ..كان دوبريه قد اصدر عام 2010 كتابا بعنوان ” في مديح الحدود ” يؤكد فيه ان ” من لا حدود له لا مستقبل له ” ، رافضا دعاوى العولمة التي تسوق نفسها تحت شعارات براقة من عينة : أن الإنسانية ستكون أفضل من دون الحدود، في حين أن العولمة نفسها تستدعي إقامة الجدران المكهربة لتمنع التدفق البشري من الجنوب إلى الشمال، حيث تفرض عليه قيودا صارمة، ولكنها تمنح للسلع التي تنتجها حرية مطلقة في المرور إلى الجنوب ”

ويسخر دوبريه من شعار عالم واحد :” أن عالما من غير حدود يعطي للغني أجنحة، كي يطير حيث يشاء، إذ ما يحدد هويته هو حسابه البنكي، وليس ذاكرة أو وجدانا. يشعر بأنه وسط ذويه حيثما حل وارتحل في المنظومة ذاتها، ممن يأتمّون بعقيدة العولمة، على خلاف الفقير الذي لا يتحرك إلا حيث يستطيع، إن تحرك، وقد يضطر إلى الجدف، والأمر ليس مجازا، بالإحالة لمن يركبون البحر. ليس للفقير حضن يأوي إليه إلا ذلك الذي تحده حدود معلومة، من لغة، وعقيدة، وذاكرة، ووطن ” .

على مدى مسيرته النضالية والثقافية ، وهو يحمل على كتفيه 80 عاما من المغامرة الحياتية ، ظل ريجيس دوبريه احد المفكرين القلائل الذين حاولوا كما يقول تقديم اجابات عن اسئلة لم تعد الناس تطرحها : ” أردنا تقديم إجابات عن أسئلة لم تعد مطروحة وهو يؤكد اننا الانسان المعاصر رهينة زمن لم يعد موجوداً ، فعالم البساطة والنقاء قد انهار أمام توحش الرأسمالية، والأسئلة الأخلاقية الكبرى التي تعصف بعصرنا ..عصر العولمة والثورة المعلوماتية ، تمكننا من الإمساك بالمعنى وبالحياة التي تتسلل هاربة منا .

ولان السياسة لم تجلب له سوى السجون والعذاب نجده يوجه عام 2010 رسالة الى ابنه ينصحه فيها بالابتعاد عن السياسة، :” على أي حال، لو أردت الانخراط في مجال العلوم السياسية من أجل أن تركب سيارة ليموزين تابعة للحكومة ذات نوافذ بزجاج غامق، وفّر على نفسك إذن الامتحانات، والأطروحات والاستدلال الدقيق المتنوع. أكرر لك أن التفكير المنطقي لا علاقة له بالأمر في مجال نشاط غير عقلاني تماماً ” .

يتابع ريجيس دوبريه العالم بعيون السجين الذي وجد نفسه ذات يوم بين اربعة جدران بلا جمهور سوى نفسه ،حيث يكتب ريجيس دوبريه عن هذا الوعي الذي يتوجه ضد صاحبه، الوعي الذي نواجهه سواء كنا في مواجهة سجن حقيقي بقبضان حديدية او بين أربعة جدران، سواء كانت هذه الجدران ، جدران السجن أو جدران العائلة، أو جدران المجتمع ، أو جدران السلطة:” حين يكون الانسان مهجور ، بلا مرايا يتطلع فيها الى نفسه ، سيكون اقدر من انسان اخر على التخلص من انعكاساته ليتفحص جسمه الخاص معكوسا ” . وسيكتشف ان السياسي لا يختلف عن المثقف حين يجعل من خطبه وكتاباته مورد رزق له فانه :” فإنه يهرج تهريجا باردا خلف قناعه ” ، ولكن ماذا ستغير هذه العزلة التي يسميها البعض – السجن – ؟ ستدله على الطريق الصحيح للعيش :” أن يصبح المرء محصورا، فانه سيبحث عن واقعة الحياة التي سيخرج منها التغيير ” ، ويتذكر انه كتب في كتابه ” يوميات برجوازي صغير بين اربعة جدران :” “كنت بحاجة إلى هذا السجن لادرك المعنى الحقيقي للمثقف “.

وفي النهاية يجد دوبريه ان وباء كورونا اعاد بين السلطة والمفكرين :” إن السياسي ، عندما يواجه تحديا ، غالبا ما يكون لديه الإغراء للجوء وراء نصيحة ذوي المعرفة ” .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

One Reply to “ريجيس دوبريه وأوربا كورونا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.