اجتماع مختارات مقالات

المدينة كموضوع للسيسيولوجيا الكلاسيكية

المدينة في فكر (ايميل دوركايم و ماكس فيبر)

بقلم: طه الفرحاوي – المغرب
باحث في سوسيولوجيا المجال وقضايا التنمية الجهوية

غالبا ما يجرنا الحديث عن المدينة والمسألة الحضرية من الناحية السيسيولوجية لمدرسة شيكاغو؛ متناسين أهم اسهامات الرواد المؤسسين للسيسيولوجيا العامة، وهذا ما سنحاول تبيانه وتناوله بالتحليل في هذه المقالة، مع محاولة رفع اللبس عن تصورين مهمين لكل من اميل دوركايم وماكس فيبر.

فالأول لم يخصص كتابا بعينه للمدينة، إلا أنه تطرق في مختلف أعماله هنا وهناك لبعض قضايا التغير الاجتماعي، وعمليات انتقال المجتمعات من مجتمع تقليدي ذي التضامن الآلي لمجتمع حديث ذي التضامن العضوي. ففي أطروحته الأساسية “تقسيم العمل الاجتماعي” التقى دوركايم مع مسألة كيفية احتلال الإنسان للمجال وتغييره وسيرورة خلقه للمدينة.

وانطلاقا من رغبته في تفسير عملية الانتقال من المجتمعات التقليدية للمجتمعات الحديثة فهو انتقال يتيحه الارتفاع التدريجي للكثافة الديموغرافية، مما يتيح ارتفاع منسوب الكثافة الروحية، بمعنى ظهور تقدم الحضارة، يعتبر السيسيولوجي المغربي الدكتور عبد الرحمان المالكي أن دوركايم شأنه في ذلك شأن مختلف مفكري عصره، كان متشبعا بفكرة التقدم مما دفعه للقيام بتفسير التغير الاجتماعي الذي يخص المجتمعات الدنيا (القرية) والمجتمعات العليا (المدينة).

ويعتبر دوركايم أن أهم خاصية تميز المجتمعات التقليدية هي التضامن الآلي القائم على التشابه في مختلف المستويات (العقلية والمهنية)، وذلك لأن هذه المجتمعات تعرف فقط التقسيم الطبيعي للعمل المبني عن الجنس، فالفرد في المجتمعات ذات التضامن الآلي لا يتوفر على شخصية مستقلة فهو متماهٍ ومتشابه مع الأخرين يشتغل وفقا لما يعرف بالضمير الجمعي أي العادات والتقاليد والأعراف (الموروثة). في حين أن الأفراد في المجتمعات الحديثة ذات التضامن العضوي لم يعودوا أشباه لبعضهم البعض، إنما مختلفين حتى وإن أصبح الفرد في هذه المجتمعات يتمتع بحرية أكبر على المستوى الشخصي إلا أنه يظل دوماً في حاجة للأخرين الذين يكونون هم أنفسهم في حاجتهم إليهم، وهذا بالأساس راجع لظاهرة تقسيم العمل الكثيفة.

وهنا يمكننا القول بأن التضامن في هذه الحالة أساسه الاختلاف ما يسميه دوركايم بالتضامن العضوي. وفي هذا الإطار يؤكد الدكتور عبد الرحمان المالكي أن هذا التضامن لا يتطور ولا يبلغ درجاته السامية إلا في المجتمع الحضري.

ونتيجة لما سبق؛ يمكننا استلهام فكرة التقدم والتطور التي تبناها دروكايم والتي ستدفعه بالضرورة للالتقاء بموضوع المدينة والظاهرة الحضرية والتحضر. فالمدينة تضم أعداداً كبيرةً من الناس بشكل يدفعنا للتأكيد عن مسألة أساسية كون أن الكثافة المادية الأكبر لا تتحقق إلا داخل المدن، لتكون بذلك أكثر المجتمعات تعقيداً.

تتطور المجتمعات بشكلٍ تدريجيٍ وتاريخي يحددها دوركايم في عدة أشكال أساسية:

1- السكان والشعوب الأكثر تقدما يتجهون نحو التركز أكثر فأكثر على عكس المجتمعات التقليدية التي تمتد على مساحات شاسعة بالنسبة لعدد أفرادها.

2- يمكن اعتبار ارتفاع الكثافة السكانية المتوسطة فيها يعود للارتفاع الكمي للولادات، ولكن المدن تبقى نتيجة دائمة للحاجة الدافعة للأفراد لأجل البقاء متصلين مع بعضهم البعض فأعداد المدن عبارة عن مجموعة نقط تجتمع فيها الكتلة الاجتماعية وتلتحم بالشكل نفسه في مكان آخر.

3- لا يمكن أن نحقق التضاعف والامتداد دون ارتفاع الكثافة الروحية، كما أن المدينة تتنامى من خلال الهجرة الوافدة، وهذا ما لا يمكنه أن يتحقق إلا إذا تم تحقيق انصهار الأجزاء الاجتماعية بشكل متقدم.

يعتبر دوركايم أن المدينة لا يمكنها أن تتحقق إلا في المجتمعات العليا، لأن سرعة الطرق والمواصلات ووسائل الاتصال وعددها تساعد على محو الفراغات الفاصلة بين الأجزاء الاجتماعية، مما يساعد على الرفع من كثافة المجتمع.

وبخلاف دوركايم؛ فإن ماكس فيبر لم يتعرض للمدينة كمجرد موضوع داعم لتحليل معين عن تطور المجتمع، بل خصَّها بمؤلف كامل أسماه (المدينة). فحسب السيسيولوجي الفرنسي جوليان فروند حول الكتاب باعتباره غير كامل، إلا أنه يمكننا افتراض أن فيبر كان بإمكانه أن يتبعه بتكملة، فتصنيف الموضوع من طرف فيبر في الفصل الاول للمدن يشير لحالات بعض المدن الحديثة كأرنهم أو دوسلدورف أو إيسن أو بوخوم أو مدنا حديثة تماما كالمسماة (المدن الحواضر)، فتحاليل فيبر في هذا النص تقف عند نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر.

وكما لا يخفى عن القارئ المتيقظ لأعمال ماكس فيبر، أن مشروعه الفكري قد قام على مسألتين هما: العقلنة والشرعنة. فالعقلنة عند فيبر تعد نتيجة من نتائج التخصص العلمي، والتمايز التقني الخاص بالحضارة الغربية. وهي تكمن في تنظيم مختلف مناحي الحياة عبر تقسيم وتنسيق مختلف الأنشطة، بناء على دراسات دقيقة للتفاعلات بين الناس ووسطهم وادواتهم بهدف بلوغ أكبر قدر من الفعالية والنجاعة.

يربط ماكس فيبر بين العقلنة والسلطة في دراسته للمدينة، ويتناول السلطة انطلاقا من العقلنة، فالسلطة بالنسبة له ليست بالضرورة ذات طابع اقتصادي مثلما يذهب لذلك ماركس، فالسلطة بإمكانها القيام على أسس ثقافية معيارية.

لقد قام ماكس فيبر بتقسيم السلطة لثلاثة أنواع مختلفة وهي: السلطة التقليدية والبيروقراطية والكاريزماتية.

إن استحضار هذا التقسيم الثلاثي السلط من طرف فيبر يمهد لنا السبيل لتناوله موضوع المدينة.

ففي معلمته الشهيرة (الاقتصاد والمجتمع)؛ يعتبر فيبر أن المدينة شهدت مجموعة من التحولات، انطلاقا من تتابع سلسلة من السلط التقليدية، في ظل غياب السلطتين البيروقراطية والكارزماتية، هذا ما يفسر ما أكده فيبر في كتابه هذا في الجزء الخاص عن (السلطة غير الشرعية). ومن الواضح أن مقاربة فيبر تقوم على رؤية تاريخية مقارنة، انطلقت من مدن مصر والمدن اليونانية… والأسيوية.

ولعل ما يغني ويقوي طبيعة ومفهوم المدينة لدى ماكس فيبر على نحو ما سنحاول توضيحه هو البعد السيسيولوجي والتاريخي مما سيضعنا امام تعاريف وتصنيفات عدة للمدينة، ففي دراسته يسعى فيبر لوضع نموذج مثالي للمدينة، إذ يعتبر أنه لا وجود لها بالمعنى المقدم من طرفه إلا في أوروبا الغربية.

ويقترح ماكس فيبر تعريفا نموذجيا للمدينة مقرا بوجود عدة تعاريف بخصوص المدينة مدشنا النقاش المستمر إلى الآن بين دعاة التعاريف الكمية (عدد السكان) ودعاة التعاريف الكيفية (معيار الثقافة) إذ يقول: يمكن تعريف المدينة بعدة طرق لكن هناك نقطة واحدة مشتركة بين كل التعاريف، كون أن المدينة لا تكمن في سكن واحد أو سكنات متعددة منتشرة بشكل مبعثر، فالمدينة تتشكل من السكن المجتمع (نسبيا) أي محلة (localité). وفي المدن تتبنى الدور بالقرب من بعضها البعض، فالقاعدة العامة تقول هي أن تبني حائط لحائط. فالتصور الشائع في الوقت الحاضر يربط المدينة بخصائص كمية محضة.

إن تمييز المدينة عن البادية عند ماكس فيبر، كون الاولى تعرف انتشار سكاني ضيق في مجال ترابي ضيق، فسكان الحواضر لا يعرفون بعضهم معرفة شخصية متبادلة. الى أن حجم السكان وحده لا يمكنه تقديم صورة واضحة للمدينة كمفهوم. لذا يقترح فيبر الأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الثقافية والعلاقات الاجتماعية.

لم يكتفِ فيبر بتعريفه النموذجي هذا، بل وضع مجموعة من التصنيفات النظرية والمثالية الأخرى حول المدينة، وهذا انطلاقا من مبدئي العقلنة والشرعنة وبهذا قد حدد المدينة انطلاقا من تلاث ابعاد نجملها فيما يلي:

1. المدينة باعتبارها كيان اقتصادي: لطبيعتها الاقتصادية فهي تعتبر تجمعا سكانيا تجاريا وسوقا دائمة، وظيفتها الأساسية الاقتصاد.

2. المدينة كيان سياسي: باعتبار أن انه لا يمكن ضبط الأنشطة الاقتصادية والإدارية إلا إذا توفر نمط معين من التسيير السياسي المدينة كيان قانوني يحكمها القانون.

 

المراجع المعتمدة:

عبد الرحمان المالكي، مدرسة شيكاغو، إفريقيا الشرق، الطبعة الثانية 2019م.

ايميل دوركايم، في تقسيم العمل الاجتماعي، ترجمة حافظ الجمالي، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت 1982م.

ماكس فيبر، الاقتصاد والمجتمع، ترجمة: محمد التركي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الاولى 2015م.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.