آدم و حواء اجتماع مختارات مقالات

نصائح ذهبية للنساء فقط

قلم/ بشير العبيدي

هذه كمشة من النصائح النادرة التي لا غنى عنها لقضاء حياة سعيدة، على أنها خاصة بالنساء فقط، كما خصصتُ، قبل أيام، الرجال بنصائح مماثلة. على أنني لن ألزم ههنا الرجال بما ألزمت به النساء حين كتبت للرجال، وذلك أن الرجال، على أية حال، لن يفهموا أبدا ما يلي من نصائح للنساء، فوجودهم غير مزعج، لن يستوعبوا مطلقا. فهم في فهم النساء رهط عجيب.

ولأن المسألة أعقد من مظلمة الشرق الأوسط، فلنبدأ بمقدمات تمهيدية لوضع كلّ دابة في مربطها الصحيح.

المقدمة الاولى: أختي المرأة: سامحيني، أنت تمتلكين ميزة لا قبل للرجال بها. وهذه الميزة ليست الجمال ولا الكيد ولا الدهاء ولا طبل العيد. بل هي الولادة. أنت تلدين، وعن طريقك يبقى النسل وتستمر الحياة. وسلمي لي على قصص الحب والروايات الرومانسية وما شابه. مخّ الحكاية أن الرجال يخافون من الانقراض، فيحتالون عليك بقصص الحب والشعر وقيس وليلى وماجدولين وما شابه للإيقاع بمن حطت عليها أعينهم. وهذا معناه: لو تقدم العلم ووصل إلى درجة أن يرسل من يضرب زوجته لكي يقضي ربطية السجن في المريخ، لن يستغني عنك هذا الرجل، وبقية الكلام حكاوى للتسلية. إذن، أختاه، أنت بيدك الحبل والسطل والبئر. فاغترفي.

لكن المشكلة – كما تعرفين- هي أنه ليس لديك وقت تضيعينه في تجربة هذا وذاك، وفترة قابلية الولادة محدودة لديك، وتريدين حصول اليقين في أنك لا ترتبطين إلا بالشخص الذي تودين قضاء عمر كامل وتأسيس أسرة سعيدة، ولا توقعين عقدا الرضا على قطع رقبتك مع ذكر لا يصلح رأسا ولا فأسا. ولذلك أنت في حاجة إلى مثل هذه النصائح.

المقدمة الثانية: السعداء لا قصص لهم يروونها. فإن قرأت قصة ممتعة، فواضعوها إنما تحدثوا عمّا لا يملكون. لذلك، قبل لحظة التوقيع على عقد الدخول إلى القفص، أرجوك، بل أستحلفك بكل مقدس: انسي جميع مسلسلات الحب التي شاهدتيها والأفلام التي أبكت عيونك والقصص التي خبئتيها في شبابك تحت المخدة وقرأتيها خلسة وبللت مخدتك بالدموع على الشغف والشغاف والحب والسلاف. أرجوك أن تكنسي مهنّد من عقلك، وأن تخرجي صورة ليوناردو دي كابريو من محاجر عينيك، وأن ترتدي ثوب العزاء على وسامة ترافولتا، وراغب علامة، وأضيفي إلى هذا التخلص من الصور التي في ذهنك عن رجال “الزمن الجميل”، لأنك إذا انتظرت لقيا شكل على شاكلة “علي” وأنت بعد لست من نوع “فاطمة”، سيذيقك هذا “العلي المزيف” ما أذاقه أمية بن خلف لبلال الحبشي رضي الله عنه. أظن الأمر اتضح. وهذا لا يمنعك تمني الحسن والأحسن، لكن كوني واثقة، أن الرجل عقل، وما دون ذلك فقشور شبيهة بتلك القشور التي على البقلاوة، جميلة جدا لكنها هشة.

المقدمة الثالثة: وها قد صارت المقدمات في طول صحيفة عكاظ، دعي عنك أختاه فكرة السحر وخلط الحبة السوداء بالوشق وقطعة من ذيل الوزغ وتحبير المكاتيب بمحلول بول القطط. هذه الأخلاط هي مورد زرق النفاثات في العقد، وأنت لا شأن لك بحل مشكلات اجتماعية ناتجة عن فساد حكومتنا. السحر الحقيقي والسرّ في العلاقة هي في عينيك وأنفك. ومع النصح بترك السحر عامة، إلا أنه توجد خلطة لها تأثير بإذن الله، أنصحك بها: إن كنت مقبلة على زواج، فلا تدخلي بيت زوجك إلا وفي جهازك القائمة تالية الذكر، وإن كنت حديثة عهد بالزواج، يمكنك التجريب، لأن مفعولها عكسي مع عدد السنوات:

1- طقم إبر خياطة، وبكرات خيوط ملونة، وأقفال ومستلزمات الخياطة.
2- فرشاة أسنان ومعها معجون أسنان فعال من النوع الرفيع.
3- كيس متين لكنه مثقوب، وفيه مناديل ورقية بكمية كافية.

والآن إليك النصائح للتعامل مع الرجال:

أول نصيحة: الرجال مخلوقات تمشي على رجلين، ولكن – في الحقيقة – تشغيلها يتم من جهة البطن، فهي شبيهة بتلك الزواحف التي تمشي على بطنها، ولكنها تتنقل على رجلين. ولذلك، ستجدين نهما كبيرا على المأكولات من طرف هذا الكائن العجيب، وكما قالت عجائزنا: الوصول إلى القلب يكون من طريق المعدة. ولهذا السبب، نصحتك بإحضار طقم الإبر وبكرات الخياطة، لأن الأثر المتوقع سريعا لهذه الكائنات، أن سراويلها وقمصانها تتمزق بسبب أنها تسمن بسرعة، وتصير تحك بطونها بيد أفقية على زاوية تسعين درجة. وستضطرين لرتق الفتوق، وسد الشقوق، فأنت في حاجة لطقم الإبر. أما مقدار السمن، فيختلف من رجل إلى آخر. ولكي أعطيك فكرة، أنا تزوجت ومقاس سروالي اثنان وأربعون. اليوم أتأرجح بين الثامنة والأربعين والخمسين. أما وزني فكان ثابتا في الخامسة والسبعين، أما الآن فلا أريد أن أبوح بوزني، أخاف من عين الحساد. وما قرأتيه عن الحب والهيام وقيس وليلى وقول الشاعر:

يقولون ليلى في العراق مريضة … فيا ليتني كنت الطبيب المداويا

فإنما ذلك لأن الحب في الجملة عذري لا يكون إلا من بعيد. وأنا لا أريد أن أقسم – اللهم إني صائم – لكنني متأكد تقريبا من أن هذا الشاعر لو كان هو الطبيب المداوي لعشيقته ليلى في العراق … لأجهز عليها، وتخلص منها، وبحث عن أخرى ولو كان في مدينة يوهان الصينية، موطن فيروس كورونا. لا تصدقي الشعراء فأجمل الشعر عندهم هو الأكذب.

ثاني نصيحة: لا تغتري بالمظاهر إطلاقا أختاه. فأنت سترين رجلا له شاربان يعشش فوقهما مالك الحزين، ويتيه الأرنب في أدغال لحيته، ومحيّاه، آه من محياه، إذا صادف ونظرت إليه، يذكرك بقول الشاعر:

يا عاقد الحاجبين على الجبين اللجين
إن كنت تقصد قتلي فقد قتلتني مرتين

ومع ذلك، فالرجل الذي كان في قسمتك ونصيبك هو طفل شارِفٌ، كانت تعدّه لك امرأة أخرى، هي أمّه، طيلة ربع قرن من الزمان، ومع طول المحنة به فقد تجدين أنه ينقصه الغلي، ومذاقه ماسط من قلة ملحه، ولا يعرف إشعال الموقد لتسخين ماء سلق البيضة، وهلم جرا. هذا الكائن سيتعبك لأنك كلما مسحت أرضية بيتك، دخل عليك بحذائه وقد مشى به على خرء الكلاب في السكك، وربما دخل البيت وارتمى على الأريكة بحذائه وثياب عمله المتسخة، بعد يوم من العمل، زاعما التعب كأنه ولى من غزوة فتح القسطنطينية، وربما أفسد لك نمارق الأريكة ومفارش أنفقت وقتا في ترتيبها وتزيينها. وربما نام إلى جابك ورائحة، آه ثم آه، تنبعث من فيه تفضلين معها النوم على كرتون في ساحة حقوق الإنسان في باريس، على قضاء الليلة معه في السرير. ولهذا السبب نصحتك بأن تحضري في جهازك فرشاة الأسنان، إذا حدث هذا، أو شبيه به تقيسين قياسه، فادفعي إليه فرشاة الأسنان، وقولي له: سامحني، سأنام، أتركك تقضي الليلة مع هذه الفرشاة. وإذا مازحك بقصة أربع نساء حلال، فإياك أن تتشنجي، قولي له: والله أصطحبك لخطة الثانية والثالثة والرابعة، فهلم، وسأزغرد وأعمل الحناء، وأعلق الستائر، وأبخر الأبخرة وأدعو الصويحبات لزواجك، فإذا قلت له ذلك، ماتت بويضة الفتنة قبل اللقاح. أما قرأت ما قالته ولادة بنت المستكفي لعشيقها ابن زيدون؟ اسئلي الشيخ غوغل في الشابكة، يخبرك.

ثالث نصيحة: أنت تتزوجين على أساس أن الرجل سيحميك ويحفظك ويهتم بك ويكون لك سورا وسكينة. هذا حقك بالتأكيد. لكن هذا الرجل قد يكون طفلا شارفا، تجدينه غضوبا وشديد الانفعال. وعلى ذكر الاهتمام، لاحظي مثلا حين تبذلين الجهود لتجميل نفسك والتغنّج، ثم تسألينه: أما لاحظت شيئا تغير في شكلي؟ فيجيبك – الأحمق – أنه ما رأى شيئا… ألا لا جُعل يرى الذبابة طافية على سطح حليبه في فطور الصباح، هذا المشؤوم. وأنواع من الرجال يخنقك حتى أنه يرى عدد ما تبقى من رموش عينيك، لأنه يظن أنك لعبته الخاصة. ولذلك فسياسة هذه الرهوط تكون في المعتاد كما سياسة الأطفال العنيدين، لا تنفعلي إذا انفعل، ولا تردي الفعل في الحين إذا فعل، بل صرّفي له الدنانير قروشا، الدراهم مليمات، على مراحل. أما إذا انفعلت، تصادمت قوتان، وهذا معروف النتائج كما علّموك في دروس الفيزياء عند التقاء كتلتين بسرعة الضوء، فالحلّ هو في السكوت وحفظ الحادثة في الكيس المثقوب الذي نصحتك بإحضاره في جهازك. إذا تمّ كل هذا من طرفك، ولم ينفع مع هذا الكائن، فالحمد لله، قد فكرتِ في ذلك من البداية، وأحضرتِ في جهازك مناديل ورقية لمسح دموعك. ولك الله.

النصائح مازالت كثيرة. لكنني تذكرت شيئا الآن قبل أن أكمل: أنت أصلا لماذا تتحملين كل هذا الهمّ والغمّ؟ دعي هذا النوع من الرجال ينقرض تماما، فلا تتزوجينه فتساهمين في تكاثر رهطه؟ دعيه يستكمل غليه على نار هادئة عند أمه الحنون، ويتشرب ملحه، ويستقيم عوده، وبعدها لكل حدث حديث؟ ما ألجأك لكل هذا؟ فلينقطع نسل هذا الرهط كما انقطع الديناصور، ولتتفق النساء بينهن على تربية جيل جديد، لإراحة أجيال وأجيال من همّ الرجال…

قال سقراط لابنه: تزوج يا بني، فإما أن تعيش سعيدا، وإما أن تصبح فيلسوفا.

تبا…

(نصّ أدبي سينشر في الجزء الثاني من كتاب: نوادر الأيام)

كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أمَلًا|

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.