قادة وأعلام مختارات مقالات موسوعة روافد بوست

د. جعفر يكتب عن عبد الرحمن اليوسفي

سلسلة “تمغربيت”
سي عبد الرحمن اليوسفي

بقلم د. سعيد جعفر

من حظ هذه السلسلة أن يكون سي عبد الرحمان اليوسفي أول أبطالها رغم أن التقدير أن يكون عريسها الذي تختم به، لكن ولأنه متفرد في كل شيء فقد جاء متفردا حتى في موته.

عاش غريبا في مجتمع غلبت عليه الماديات و الخيانات ومات معفيا من الماديات والخيانات والنفاقات.

يمثل سي عبد الرحمان نموذجا حيا لتمغربيت التي تجمع بين الأصالة والحداثة والتي عكسها في كل قراراته التي سنتوقف عند بعض منها لأن حياة سي عبد الرحمان واسعة وعامرة بالتوليفات الصعبة والمؤلمة والمبدعة في نفس الوقت.

1- سي عبد الرحمان جرب مقاومة المستعمر الأمبريالي الفرنسي وفي نفس الوقت استحق حشد دعم معارضي الامبريالية الفرنسية من اشتراكيين وشيوعيين وحقوقيين ومثقفين، وسيكون مفاوضا حقيقيا للديغوليين واليمينيين من موقع مسؤوليته كوزير أول

2- سي عبد الرحمان جرب المعارضة ضد القصر وجرب العمل والتعاون مع القصر، وجرب الخروج عن المنهجية الديمقراطية وجرب الإحساس بالاعتراف بالخروج عن الديمقراطية

3- سي عبد الرحمان جرب الموقف من أحزاب الإدارة وجرب التجاور والتعاون مع أحزاب الإدارة بهندسة وأناة خاصة

4- سي عبد الرحمان جرب كل اشكال الانفتاح والوفاء تزوج من سيدة فرنسية لم يرزق منها بأبناء، وجرب أن يكون وفيا في ذلك على النقيض من آخرين

5- سي عبد الرحمان جرب المقاومة السياسية والدفاع القانوني (محامي ونقيب) والحقوقي (مؤسس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان)، و الرياضي (مؤسس فريق الطاس)، والإعلامي (من مؤسسي التحرير ومديرا لإعلام الحزب لاحقا)…

6- سي عبد الرحمان جرب الكلام وجرب الصمت

7- سي عبد الرحمان جرب السلطة ولم يجرب المال والتعويضات

شخصيا أهم ما يثيرني في سي عبد الرحمان هو:

1- قدرته الرهيبة على الصمت والهدوء، فالرجل لا تهزه المماحكات والتدافعات الصغيرة ولا يتشبت بالزمن في مفهومه الوقتي الصغير بل الزمن عنده سرمدي، وطيلة عمره الطويل سياسيا و جسديا كان سي عبد الرحمان لا يتأثر بالازمنة والفواصل واللحظات الصغيرة، فقد كان اقرب إلى صوفي وسط عالم من الرغبات و الغرائز والشهوات والطموحات الصغيرة والمبتذلة بل والبئيسة.

2- قدرته على الثقة في المستقبل وصنع الأمل وسواء في المعارضة أو في الحكم أو معتزلا ترك الكل نظاما و طبقة سياسية و مجتمعا لا ننزع من أذهاننا هذا الرجل الحكيم الصوفي الجلد والقادر على الصمت الجميل الذي يعفينا من القلاقل والجدالات الفارغة

لم أحظ باللقاء بالسي عبد الرحمان إلا مرة واحدة بمستشفى الشيخ زايد بعدما سمح لي سي محمد الحلوي شافاه الله، كانت كلماته قليلة ولكن معبرة، قدمت له نسخة من كتابي”الزاوية والحزب بالمغرب: أصول الاستبداد السياسي” (كنت أعرف أنه لن يقرأها لعمره المتقدم ووضعه الصحي ولكن أحببت أن أحس بأن تكون عند سي عبد الرحمان).
قال بصوت منخفض: جيد البحث في مثل هذه المواضيع.
وتلهفت لأخبره بأني جربت أن أنتخب ممثلا للطلبة بكلية الحقوق عين الشق…
تبسم وبنفس عبارته: جيد هذا شيء مفرح.

كانت مجمل كلمات سي عبد الرحمان في زيارتي له 10 كلمات، بالإضافة إلى عبارتي “مساء الخير” و “بخير” و “شكرا على الزيارة”.

ولكنها بالنسبة تختزل مسافات كبيرة و آمالا أكبر.

عندما تقدم سي الحلوي قرب أريكة سي عبد الرحمان وطلب منه استقبال زائر جديد تراءى لي إلتزام الرجل حتى وهو مريض..

رحمك الله سي عبد الرحمان رجل تمغربيت بامتياز

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.