سياسة مختارات مقالات

علاقات دونالد ترمب السياسية

بقلم/ أ.د. إسماعيل صبري مقلد

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمر الان بمحنة سياسية حقيقية وباصعب أوقاته وأكثرها تهديدا لفرص إعادة انتخابه كرئيس بعد خمسة شهور من الان.

فعلاقاته مع الداخل الأمريكي متازمة ومتدهورة وتنذر بما هو أكثر من مجرد ابداء مشاعر التذمر والاستياء والغضب بسبب ادارته الفاشلة للازمات المتلاحقة التي تمسك بخناق المجتمع الأمريكي وفعلت به ما لم تفعله كل الحروب والصراعات المسلحة والأزمات الدولية التي خاضتها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بمعيار خسائرها وتكاليفها وضحاياها.. فاعداد الامريكيين الذين قتلهم وباء كورونا او انتقلت عدواه إليهم مرعبة وما تزال في تزايد مستمر ،. ومعدلات البطالة تخطت عشرات الملايين وفي تزايد مستمر هي الأخرى. ،. وموارد دخل كثير من الأسر الأمريكية انقطعت،. والسخط الشعبي علي سياساته يعم وينتشر حتي إن كثيرا من المنظمات النسائية الامريكية يقودون الان حملة واسعة مناهضة لسياساته ورافضة لإعادة انتخابه بأعتبار إن النساء الأمريكيآت هن الأكثر تضررا ومعاناة من هذه الأوضاع الاقتصادية المنهارة بلا امل في قرب تعافيها. ، والشغب العنصري واحتجاجات السود على سوء معاملة الشرطة الأمريكية لهم في تصاعد وتوشك ان تتحول إلى حرائق في ولايات أخرى غير ولاية مينيسوتا التي انطلقت منها،. كل هذه الحملات والاحتجاجات والتظاهرات تبرهن بوضوح علي فشله الذريع في ادارته لكافة هذه الملفات الشائكة التي كان مطلوبا منه إن يديرها بحكمة اكبر وبحنكة اكثر كرئيس. لكنه تقاعس وتخاذل واكتفي بتغريداته علي مواقع التواصل الاجتماعي يعد فيها الامريكيين بما كان يعرف إنه سيعجز عن تحقيقه.

واما عن علاقاته مع الخارج فإنها لا تقل توترا. فعلاقاته مع الأمم المتحدة تمر حاليا بأسوأ مراحلها ووصلت بها تقريبا إلي حافة الانهيار الذي لم يبقى معه إلا انسحاب أمريكا كلية من هذه المنظمة العالمية لتكرر ماساتها مع عصبة الأمم. فترامب أعلن انسحابه من منظمة الصحة العالمية وقبلها من اليونيسكو ومن الوكالة الدولية لاغاثة اللاجئين الفلسطينيين ومن معاهدة باريس للمناخ ومن معاهدة السموات المفتوحة لمراقبة التسلح في أوروبا ومن معاهدة ضبط التسلح الاستراتيجي مع روسيا دون تنسيق أو تشاور مسبق. وهو دائم الإستخفاف بدور هذه الوكالات و المنظمات والمعاهدات الدولية التي يتعامل معها من منظور سياسي ضيق لا يليق بدور الولايات المتحدة كقائدة للنظام السياسي الدولي وكحجر الزاوية في ضمان توازنه واستقراره. ولا يخفي إن هذه السلسلة من الإنسحابآت والمقاطعات تقود الي عزلة دولية متزايدة لامريكا سوف يكون من الصعب علي أي رئيس أمريكي قادم بعده ان يصلح ما تسبب فيه من دمار كبير لهذا الدور القيادي الذي انفردت به الولايات المتحدة طيلة سنوات ما بعد انتهاء الحرب الباردة في بداية التسعينات.

واما عن علاقته بالصين فإنها هي الأخرى في ذروة توترها وسوف يعني انهيارها أو الصدام العنيف مع هذه القوة الدولية العملاقة الكثير بالنسبة لسلم العالم وأمنه واستقراره، والملفات التي يدور بشأنها الخلاف مع الصين كثيرة وصعبة ومنها ملف اتهام ترامب لها عن دورها في تخليق ونشر فيروس كورونا وتضليلها المتعمد للمجتمع الدولي عن حقيقة هذا الوباء ،. وملف هونج كونج المتفجر وملف تايوان الذي يأتي علي راس قائمة أولويات الصين الاستراتيجية والذي لن تساوم عليه، تحت أي ظرف. وملف الحرب التجارية التي أعلنها ترامب على الصين لاعتصار التنازلات منها وارغامها على الأذعان لشروطه المتعنتة هذا فضلا عن خلافاتهما حول تحركات الصين العسكرية وخططها الإستراتيجية والأمنية في منطقة بحر الصين الجنوبي وهي خلافات وان كانت تكمن حاليا في دائرة الظل الا انها مرشحة للانفجار بشكل علني وخطير في المرحلة القادمة..

واما عن علاقته مع روسيا بوتين القطب الاخر في النظام الدولي فهي علاقة متازمة ومتوترة حول العديد من القضايا والملفات وسوف تزداد سخونة مع تصاعد الدور العسكري الروسي في ليبيا وهو ما يؤذن بفتح الشرق الأوسط عن أخره امام روسيا لتعيد ترتيب مصالحها الأمنية والاستراتيجية ومنظومة تحالفاتها الاقليمية فيه بما سوف يضع المصالح الأمريكية فيها امام خطر داهم وغير مسبوق.

هذا اذا لم نتحدث عن فشل ترامب في نزع أسلحة كوريا الشمالية النووية.، أو في وقف برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية.، أو في إسقاط نظام الحكم في إيران بالعقوبات الاقتصادية او بالانسحاب من الاتفاق النووي معها.، أو فشله في حل النزاع النزاع الفلسطيني الاسرائيلي وفشل مشروع صفقة القرن الذي بالغ في تسويقه إعلاميا على الصعيد الدولي ومني بمقاطعة العرب له ورفضهم لكل ما انطوي عليه من أفكار و اقتراحات ،

فإذا أضفنا الي ذلك فشله في التغلب علي المشكلات الاقتصادية الناتجة عن تدهور أسعار النفط.، وفشله طيلة سنوات رئاسته في ترميم جسور علاقاته المتصدعة مع حلفائه الأوروبيين حول العديد من القضايا والملفات ، وفشله في حربه الدولية علي الارهاب. ، وفشله في اقناع حليفه التركي بفض شراكته السياسية والعسكرية مع روسيا بوتين. ، وفشله في إدارة أزمة سد النهضة الاثيوبي والتزام جانب الصمت والتوقف عن تحريكه لها . وفشله في تنويع أدواته التي يدير بها دبلوماسيته الدولية بحصرها في سلاح العقوبات الاقتصادية وحده ومبالغته في استخدامه الي الحد الذي افقده مصداقيته، وأثار امتعاض المجتمع الدولي ونفوره منها لطابعها الاستفزازي وغير المبرر. وفشله في إسقاط نظام مادورو في فنزويلا رغم كل محاولات التضييق والخنق والحصار الذي فرضه عليها وبتدخلاته السافرة فيها. ففشله ينطق في كل مكان ولم يعد يحتمل إقامة المزيد من الشواهد عليه أو التشكيك فيه.

من هنا أتساءل: عن أي فرص له في إعادة انتخابه في نوفمبر القادم يتحدثون ؟
لا اعتقد إن أمريكيا واحدا في كامل وعيه ويعرف ما انتهى اليه حال علاقات أمريكا مع العالم في ظل إدارة رئيس جاهل ومغرور ومفرط في نرجسيته إلي هذا الحد سوف يعطيه صوته مكافأة له على سجل إنجازاته الهزيل هذا إن كان له سجل إنجازات علي الاطلاق.

المسألة لم تعد مشكلة اختيار ترامب أو بايدن أو المفاضلة بين رئيس جمهوري ورئيس ديمقراطي، وإنما هي في أن تكون أمريكا أو لا تكون.. وعذرا للاطالة التي لم تكن واردة في بالي عندما بدأت.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.