فكر مختارات مقالات

ألان تورين .. العيش في أزمنة الوباء

ألان تورين .. العيش في أزمنة الوباء

بقلم: علي حسين

منذ ان اطلق سارتر صرخته المدوية ” الوجودية فلسفة انسانية ” عام 1945 حتى موته عام 1980، ظل يشغل واجهة الأحداث الثقافية والفلسفية ومعها في كثير من الأحيان السياسية . ورغم ان فرنسا حظيت بكتاب ومفكرين كبار مثل ألبير كامو، وكلود ليفي شتروس، وبول ريكور، وميشيل فوكو، ورولان بارت، وبيير بورديو، وجاك دريدا، وجيل ديلوز، وإدغار موران والآن تورين ، إلا لاتزال تتذكر مواقف سارتر الذي رحل عن عالمنا قبل اربعين عاما – توفي سارتر في 15 نيسان عام 1980 – ، حيث لايزال اسمه ظل مرتبطا بالثقافة الفرنسية ، فهو الذي طرح في كتاباته كيف للانسان ان يجد طريقة فريدة للتكيف مع العالم ، واعادة اختراع نمط الحياة عندما نواجه احداثا غير مسبوقة .. كيف نتفاعل مع ما يحدث ؟ كيف نتأقلم مع الألم ؟ ، وعندما نطالع اليوم ما كتبه سارتر عن الوجود ، والجدران التي تحيطنا ، نستشعر اننا نطالع نشرات الأخبار ، ففلسفته لا تزال تحظى باهمية بين الشباب خصوصا ، ليس لانها صحيحة او خاطئة ، بل لانها تهتم بالحياة وتثير اكبر سؤالين : من نحن ؟ وماذا ينبغي ان نفعل ؟ وعندما يثير سارتر هذين السؤالين ، يركن الى تجربته الخاصة . يلخص ميرلوبونتي علاقة سارتر بالحياة والافكار قائلاً :” الحياة تصير افكارا ، والافكار تعود الى الحياة ” . يكتب آلان باديو البالغ من العمر 83 عاما ان فرنسا ستبقى في حالة حوار إلى الأبد ، هذا الحوار هو الذي جعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ، وهو يوجه خطابه عن كورونا الى الشعب الفرنسي يوم الثالث عشر من نيسان الماضي ، يستعير بعض عبارات جان بول سارتر عن الحرية والمسؤولية الجماعية مرددا ما كتبه فيلسوف الوجودية على لسان احد ابطال مسرحيته ” لامفر ” : لن يكون الحبس عائقا للحرية . ويلخص ماكرون في خطابه بعض الافكار التي ظل سارتر يرددها قائلاً : إذا كانت اللحظة التي نعيش فيها تشكل صدمة جماعية ، فيجب علينا الخروج عن مسار المعتقد والأيديولوجيات ، لإعادة اختراع أنفسنا أولاً “.

اعادة اختراع النفس ، الموضوع الذي لم يكف سارتر ان يشرحه لنا ، اننا جميعا معتقلين متشبثين بالمستحيل ، وان لم يكن ثمة مخرج نختاره ، علينا ان نخترع مخرجا اخر .

في نيسان الماضي مرت ذكرى 40 عاما على رحيل جان بول سارتر ، وقد التهم فايروس كورونا هذه الذكرى ، مثلما التهمت الغنغرينة ومعها وباء السل جسد سارتر . في ايامه الاخيرة يكتب :” لقد كتبت ، عشت ، لا يوجد شيء نأسف له … ليس لدي الشعور بالخيبة “.

وكعادتها حاولت الصحافة الفرنسية ان تطرح سؤالا ماذا تبقى من سارتر وتوجهت الى بعض المفكرين حيث قال عالم الاجتماع الفرنسي الشهير الآن تورين : إن السؤال حول ما تبقى من سارتر يصبح معقدًا ، لكن لا يمكن للمرء أن ينكر سارتر لأنه حاول إعطاء جوهر الحرية الإنسانية بالاعتماد على التجربة الحيلاتية والفلسفة

غالبًا ما يتم تقديم سارتر كمفكر متشائم،في روايته الغثيان ، كتب: “كل شيء موجود يولد بدون سبب ، ويموت عن طريق الصدفة” ، لكن لم يكن تشاؤم سارتر هو الذي أثار الضغينة ضده بقدر ما تفاؤله القويإصراره على أننا أحرار في التصرف ، وحرية تغيير العالم ، وبالتالي نحن مسؤولون عن العالم .

كان سارتر يصر على أنه لا يوجد شيء اسمه كارثة طبيعية: “إن الإنسان هو الذي يدمر مدنه ” . في عالم خالٍ من البشر ، لن يكون للكارثة او الوباء ، يؤكد سارتر ان الكارثة لا تنتج عن الطبيعة ، ولكن عن الاختيارات البشرية والطموحات البشرية والوحشية البشرية.

نعرف جميعا أن الوجوديين نادرًا ما يكونون مفكرين يسكنون أبراجا عاجية. فقبل أن يتحدث سارتر عن ” الحرية والاختيار والالتزام ” تناول كيركجارد ونيتشه الأمراض الاجتماعية المتفشية في عصرهما، وفي حالة كيركجارد على الأقل، يمكن رصدها وسط مجادلاته المحلية. ومع الاضطرابات اللاحقة التي نتجت عن حربَين عالميتَين، اتبع الوجوديون نصيحة زرادشت نيتشه وحوَّلوا المشاركة الحتمية إلى خيار وجودي. وحسبما صاغه سارتر فإن ” كل شخص يواجه الحرية التي يستحقها” .

قبل ان يصدر البير كامو روايته الشهيرة الطاعون والتي تعد اليوم نموذجا للادب والفلسفة التي تناولت الاوبئة ، كان جان بول سارتر قد كتب سيناريو فيلم بعنوان ” تيفوس ” حيث كان من المؤمل ان ينتج هذا الفيلم عام 1944

وفيه يروي سارتر تفشّي وباء التيفوس في ماليزيا المستعمرة آنذاك من طرف بريطانيا ..حيث نجد انفسنا امام ثلاث شخصيات رئيسية الزوج والزوجة الذان اصابهما الوباء والطبيب الذي يسعى لاستغلال معاناتهم ، وهو يقدمه كنموذج للمستعمر الذي لا يختلف عن الوباء ، فهو يشيع العنصرية والتفاوت الطبقي ، غلا ان الفيلم لم ينتج وظل السيناريو محفوظا في ارشيف سارتر إلا ان صدرت منه نسخة مطبوعة عام 2007 عن دار غاليمار ، و ” تيفوس ” سارتر يشترك في العديد من أوجه الشبه مع رواية كامو الطاعون ، لكنه لا يقدم ابطالا عبثيين ، وانما حكاية وجودية للفداء الأخلاقي بين البشر .

يكتب سارتر في ” الوجود والعدم ” ان الموت انتهاك ياتيني من الخارج ويمحو مشاريعي ، الموت لا يمكن ان يكون من تدبيري او من صنعي ” ، وكتبت سيمون دي بوفوار في روايتها ” موت عذب جدا ” ان الخلود لا يطاق ( كل الناس ميتين ) ، وفي هذه الرواية وهي تصف مرض امها الاخير، تبين لنا ان الموت اتى امها ” من مكان غريب وغير انساني “

هذا الموت الغريب وغير الانساني يقول عنه الان تورين في حوار اجري معه حول ازمة فايروس كورونا :” ما نعيشه حاليا هو مواجهة البشر لعدو لا بشري، أن ما يحدث حاليا هو حرب دون مقاتلين “

ويضيف المفكر الذي سيدخل عامه الـ 95 بعد شهر وعدة ايام – ولد في الثالث من آب 1925 – اننا اليوم نعيش :” في ظل وجود آلة بيولوجية من جانب وأشخاص ومجموعات أخرى دون أفكار أو توجيه أو برنامج أو إستراتيجيات أو لغة. ” ، ويضيف ان اكثر وأضاف تورين أن أكثر ما يذهله في هذه الفترة، ، أنه لم يشعر بمثل هذا الفراغ منذ فترة طويلة جدا، وان : “هناك نقص في الأطراف الفاعلة والأفكار. لا وجود حتى لعلاج أو لقاح. لا يملك العالم أسلحة، والجميع محبوسون بمفردهم”.

في الثالث من آب عام 1925 ولد ألان تورين في بلدة على شاطئ بحر المانش. والده طبيب ميسور الحال، ووالدته تعمل في التدريس، حاولت أن تعلّم أبنها كيف يحب الحرية والعلم والمعرفة، التحق عام 1945 بمدرسة المعلمين العليا في باريس، التي تخرّج منها جان بول سارتر وريمون آرون وسيمون دي بوفوار وميرلو بونتي وغيرهم من الأعلام، لكنه بعد عامين يترك الدراسة، ليقرر السفر إلى هنغاريا ومن بعدها الى يوغسلافيا، ثم يعود الى فرنسا ليعمل عاملاً في أحد المناجم، كانت تجربة العمل في المناجم مرحلة غنية في حياة تورين حيث قربته من المسائل المتعلقة بالصناعة وعالم رجال الأعمال، وتعرف من خلالها على الحياة الاجتماعية للعمال، الأمر الذي مكّنه من أن يصدر أول كتبه عام 1955 وكان بعنوان”تطور العمل في مصانع السيارات”والكتاب هو أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه، بعدها يسافر الى تشيلي، يتزوج هناك وتصبح بلدان أميركا الجنوبية موضوع أبحاثه، حيث أصدر كتابه الشهير”الكلمة والدم”عن معاناة عمال المناجم في تشيلي. ساهم عام 1959 في تأسيس مجلة”سوسيولوجيا العمل”. وحصل عام 1964 على دكتوراه ثانية من خلال أطروحته”سوسيولوجية الفعل الاجتماعي”. يذهب الى بولندا ليعايش تجربة العمال هناك، ويعقد صداقة مع رئيس نقابة التضامن ليش فاليسا، الذي أصبح فيما بعد، رئيساً لجمهورية بولندا.

رفض طروحات صموئيل هنتنغتون حول صدام الحضارات، وسخر من مقولة فوكوياما”نهاية التاريخ”، والتي يرى فيها فوكوياما الانتصار الكامل والنهائي للمعسكر الرأسمالي ولنظرياته الليبرالية، وفشل النظريات الاشتراكية، حيث يطرح تورين بديلاً آخر يتعلق بـما أسماه”نهاية المجتمعات”، والذي عنون به أحد كتبه، حيث يجد تورين أن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي انطلقت في عام 2008 لتشمل آثارها، العالم كلّه والتي لم يشهد لها مثيلاً إنما تمثل”قطيعة عميقة”بين الرأسمالية المالية التي تجد تعبيراتها البليغة في الأسواق المالية، وبين الاقتصاد بالمعنى الرأسمالي الإنتاجي. تلك القطيعة تمثل دلالة واضحة، برأيه، على نهاية المجتمعات الصناعية التي قامت قبل حوالي قرنين من الزمن.

عندما تندلع أحداث 68 في فرنسا والتي سمّيت بثورة الطلبة، يقف تورين إلى صفها ويصدر عن الحركة كتاباً بعنوان”حركة مايو أو الشيوعية الطوباوية”، حيث وجد في هذه الحركة لحظة أساسية في دخول الثقافي والمعرفي والفني إلى ساحة التأثير السياسي، حين اعتبرها بمثابة هجمة الثقافة على القرار السياسي وشبهها بهيجان بركان يفرض حراكه الداخلي، وقد وجد في حركة الطلاب تعبيراً عن”حراك سياسي لم يعرف كيف يجسّده السياسيون في الأطر التقليدية للعمل السياسي”.

وضعت كتب ألان تورين ضمن قائمة أفضل مائة كتاب في مجال علم الاجتماع، وتورين لا يزال يواصل الكتابة وقد صرح لإحدى الصحف” أعتقدت أنه عند شيخوختي ستكون لدي رغبة، أقلّ فأقل، للتفكير الجدي، لكن من دون أن أنام، مع ذلك، أمام التلفزيون”. وعن تاثيرات الحجر المنزليعليه قال تورين :” أن حياتي اتسمت بالعمل في البيت. أشعر، بطريقة ما، بأنني محمي في ظل الشروط نفسها التي كنت أعيشها يوميا حتى في الأيام العادية :” ، وهو يتذكر أن الشعور بالكارثة الذي ينتابه اليوم ، انتابه أثناء أزمة عام 1929، فقد ولد قبل هذا التاريخ بقليل:” حينها اختفى كل شيء ولم يتبق أحد لا في اليسار ولا الحكومات. لكن، سرعان ما ملأ الفراغ زعيم الحزب النازي أدولف هتلر الذي تولى منصب مستشار ألمانيا عام 1933″ . تورين يرى ان العالم الآن يعاني منغياب الفاعلين، وغياب المعنى، وغياب الأفكار، بل حتى الاهتمام :” ليس لدينا إلى حدود الساعة علاج ولا لقاح. ليس لدينا أي سلاح، أيادينا فارغة، نحن محبوسون ومنعزلون.. مهجورون. يجب علينا ألا نتصل ببعضنا البعض، وفوق هذا وذاك يجب أن نلزم البيت. هذه ليست حربا ! ” ، ويضيف بأن العالم وصل إلى هذه المرحلة، بعد سيطرة الغرب عليه لما يقرب من خمسمئة عام، وأن الدول تؤمن اليوم بأنها كانت تعيش على مدى السنوات الخمسين الأخيرة في عالم تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية ، ربما سنعيش اليوم في عالم صيني، إلا أن ذلك ليس بالأمر المؤكد، فأميركا تغرق والصين تعيش وضعا متناقضا، لا يمكن أن يستمر إلى الأبد ، ذلك أنها تريد ممارسة الشمولية الماوية لإدارة النظام الرأسمالي العالمي. وهكذا، نجد أنفسنا في انتقال وحشي لم يتم إعداده أو التفكير فيه مسبقا”.

وردا على سؤال ما الحل : يشير تورين إلى قرارين أساسين أمام أوروبا عليها ان تتخذهما ، وهما اعادة الاعتبار لسلطة النساء ، وإعادة الاعتبار ايضا للأحاسيس والتواصل . ، ويؤكد أننا بعد ازمة كورونا سندخل نوعا جديدا من “مجتمع الخدمات ” ، ويصر تورين ان الحياة رغم انها مليئة بالأسى ، لكننا سنقول مثلما قال هايدغر ” أننا يجب أن نعيش ونموت ” وعن سؤال حول احتمال سيطرة الحركات الفاشية بعد انتهاء ازمة كورونا :” هناك احتمالات بأن تؤدي صدمة اقتصادية إلى ردود فعل تشجع على صعود الفاشية في اوربا .لكني لا أحبذ الحديث كثيرًا عن المستقبل، وأفضل، في المقابل، التركيز على الحاضر.

يكتب سارتر قبل وفاته باسابيع :” غدًا ، بعد وفاتي ، قد يقرر بعض الرجال تأسيس الفاشية ، والبعض الآخر قد يكون جبانًا أو ضعيفًا إلى درجة تسمح لهم بذلك. إذا كان الأمر كذلك ، فإن الفاشية ستكون حقيقة الإنسان ، وهذا أسوأ بالنسبة لنا ” .

هل يحكمنا الفيروس اليوم ويسيطر علينا في المستقبل ؟ يجيب ألان تورين : ” ليس الفيروس، بل عجزنا عن محاربته ” .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.