أدب و تراث مختارات مقالات

“الاحمر والأسود ” ستندال.. تحليل النفس البشرية

“الاحمر والأسود ” ستندال .. تحليل النفس البشرية

بقلم: علي حسين

كان في الستين من عمره حين قرر ان يخلع عباءة الايديولوجيات المتشددة ، كان قبل عام من ثورته هذه يصنف كاتبا متعصبا لافكار ستالين ، فقد كتب عام ١٩٥٣ قصيدة عن موت الزعيم السوفيتي ، اشاد فيها بانجازاته ، الامر الذي دفع صحيفة الحزب الشيوعي الفرنسي ” اللومانتيه ” ان تخصص لها الصفحة الاولى ، يتذكر لويس اراغون انه قبل ان يتخذ قراره بالتحرر من الحزبية المتشددة كان قد أعاد قراءة كاتبه المفضل ستندال ، وسيتفرغ لمدة عام كامل ليصدر كتابا عن صاحب ” الأحمر والأسود ” وفيه سيعلن انه ينتمي الى جذور الماركسية الحقيقية بعيدا عن ما اصابها من ضرر بسبب آراء ستالين وافكاره التي ارادت من الأدب ان يظل حبيس الشعارات الرسمية ، وسيحاوا آراغون ان يضع ستندال في قائمة الكتاب الذين يحملون افكارا ثورية تحررية ، وان روايات ستندال تعبر عن اوضاع المجتمع من دون ان تقحم نفسها بالأيديولوجيا ، اذ تنبع الأفكار الثورية من داخل العمل الروائي، ويشير آراغون الى أهمية ستندال في زماننا ، فرواية مثل الأحمر والأسود التي يراها القارئ كأنها رواية غرامية ، وسنكتشف بعد ان نغلق الصفحة الاخيرة من انها كتاب يعبر عن الاحتجاج في مواجهة النظام السياسي والتقاليد الاجتماعية التي كانت قائمة آنذاك ، وان ستندال استطاع ان يجعل من أدبه تعبيراً عن الإحتجاج الشعبي في ادق صوره .

عندما نشر ستندال روايته الاحمر والاسود عام 1830 قال النقاد عن كاتبها انه استخدم الكتابة كما يستخدم الطبيب سماعته ووضعها بعناية شديدة على صدر فرنسا ليستمع إلى نبضاتها ..

جوليان سوريل بطل “الاحمر والاسود” شاب طموح عنيف المشاعر ، ابن لبرجوازي صغير ، تدفعه الظروف الى ان يدخل سلك الرهبنة الذي يتيح له فرصة التأمل ، لا سيما بعد هزيمة جيش الإمبراطور نابليون بطله المثالي خلال جميع مراحل العمل. خلال دراسته وتهيئته ليصبح قساً، يعرض عليه محافظ بلدته السيد راندال تدريس أبنائه. يرى جوليان في هذا العمل فرصته للدخول إلى الطبقة الارستقراطية ، وبلا تردد يعمل على إغواء زوجة راندل ، امرأة لم تعرف الحب من قبل ، وبفضل جهلها كانت تشعر بسعادة في حضور جوليان ، فتركت نفسها تنجذب اليه دون أن تشعر ، حتى اكتشفت الحقيقة ذات يوم فنجدها تسأل نفسها :” هل يمكن هذا الذي أحسه نحوه ..هو الحب ؟ ” . وأشعرها هذا الاكتشاف بالقلق وبالسعادة في نفس الوقت ، وتغير في نظرها وجه العالم المحيط بها ، فبعد أن كانت تعيش برتابة ، اكتسى العالم من حولها فجأة بالضياء والسعادة ، أما جوليان فقد تأكد ان هذه العلاقة ستحقق له جزءا من السمو والارتقاء .فالمسألة أكثر منها مسألة حب فيجعل همه ان يكمل السعي نحو هدفه الدخول الى هذا العالم الارستقراطي . ويغمر جوليان شعور غامر بالسعادة ، لا لأنه يحب وإنما لأن عذابا رهيبا قد انتهى ، واعقبه شعور بالانتصار ، انه مازال في مرحلة الحب من أجل الزهو ، أما مدام دي رينال فهي على العكس منه ، وتسأل نفسها حائرة :” ماذا هل يمكن ان أكون عاشقة ؟ ، انا المرأة المتزوجة ؟! إنني لم احس يوما نحو زوجي شيئا من هذا الجنون الأسود الذي يجعلني لا اريد أن أبعِد جوليان عن خاطري ! ..ثم انه فتى يملأ نفسه الاحترام والتوقير لي ..كلا إن هذا إلا محض جنون عارض سوف ينقضي ” .

ينجح جوليان في مسعاه ويصبح الاثنان عاشقين، يشيع أعداء المحافظ الأقاويل حول غراميات السيدة رينال مع الشاب جوليان . ولتجنب الفضيحة ينقل الشاب إلى دير بيزانسون. وفي الدير يستطيع جوليان أن يحظى بإعجاب مديره جيرارد الذي يشجعه ويدعمه ليكون كاهناً نظرا لمثابرته وتميزه على أقرانه.

ومع تجاوزه لزملائه في تحصيله يثير حفيظة القساوسة والتلاميذ على حد سواء، وحينما يقدم المدير استقالته نظرا لعزوفه عن مشاركة الكنيسة في المؤامرات السياسية يدرك بأن جوليان سيفقد حمايته، وعليه يرشحه لصديقه الماركيز دومول ليكون سكرتيره الخاص.

وسرعان ما يدرك جوليان بأن منصبه الجديد سيساعده ثانية على دخول أوساط النبلاء الذين كانوا يصرون على تجاهله، وعليه لم يتردد في اغتنام الفرصة الجديدة حينما أظهرت ابنة الماركيز ماتيلدا إعجابها به. وعندما تكاشف ماتيلدا والدها بأنها حامل من جوليان، يرضخ لطلبها بأن يمنح حبيبها لقباً رفيعاً وأن يبارك زواجهما نظرا لحبه الشديد لها ، وما أن يشعر جوليان بأنه كاد يحقق حلمه بالكامل، حتى تصل رسالة من السيدة راندال إلى الماركيز تخبره فيها بأنه شخص انتهازي ودون جوان وضيع ولا هدف له سوى جمع الثروة.

وهكذا ينهار حلمه ، مما يثير غضبه ويدفعه إلى التوجه مباشرة إلى بيت رندال ، وبلا تردد يطلق رصاص مسدسه على السيدة راندال التي تنجو باعجوبة ، لكن المحكمة تصدر عليه حكما بالإعدام. وفي المرافعة تصل حبكة القصة إلى ذروتها حيث يكشف ستاندال عن واقع المجتمع الفرنسي في تلك الفترة من خلال خطاب جوليان الذي يبين بأن حكم الإعدام الجائر عليه إنما بهدف اجهاض حلم كل كل فرد في المجتمع من أبناء الطبقة الفقيرة من ان يرتقي في المجتمع .وقبل إعدامه يكتب جوليان رساله الى خطيبته يخبرها فيها بان حلمه كان مجرد طموح زائف جرده من حياته الحقيقية ، ويخبرها بان حبه للسيدة رينال كان صادقاً.

ولد ماري هنري بيل عام 1783 ، من أب متزمت وعنيف ، وقاسي القلب ، وأم رقيقة القلب بارعة الجمال ، كان جده لأمه استاذا للفلسفة وخالته اليزابيت شديدة الاعتزاز بالشرف على طريقة النبلاء ، فأورثته هذا الاعتزاز او على حد تعبيره :” انها كونت قلبي ، فنقلت اليَّ طريقها في الإحساس ، مما كان سبباً في ارتكابي سلسلة من الحماقات السخيفة ، بدافع من مراعاتي لمقتضيات ذلك الخلق السامي ” أما خاله رومان فقد كان دون جوان ، فحاول ان يلقن ابن شقيقته فنون الحب العابث.

لكن ماري – هنري بيل الذي اتخذ من ستندال اسما ادبيا له ، لانه كان يكره اسمه الحقيقي الذي يذكره بقسوة أبيه ، نشأ معتنقا فكرة راسخة ظلت ترافقه طوال حياته ، وهي أن الانسانية تتألف من نوعين من البشر :” احدهما خبيث ، لكنه يتحدث دائما عن الفضيلة وهو يمارس أقذر الاشياء ، والآخر ذوي النفوس السمحة الذين تفيض قلوبهم حباً ورحمة للآخرين ” ، وبرغم من أن ستندال كان مهووسا بالقوة وكتب مرة إن :” الضعاء في نظري مجانين ” ، وفي شخصيات رواياته أمثلة كثيرة تعبر عن هذا العنف ، فهناك التي تقتل حبيبها ، والتي تدس السم لعدوها ، وآخرى تقبل شفتي حبيبها الميت ، لكن صاحب هذه الروايات والمواقف كان انساناً خجولاً ، ما ان يلتقي بامرأة لأول مرة حتى يرتجف في البداية ، ويتصور بانه يقترب من حافة الهاوية ..كان كلما ينظر الى وجهه في المرأة ، يتذمر من الشبه الكبير بينه وبين ابيه ويدمدم : ” ياله من وجه كوجه الكلاب ” . وجه احمر خشن يفتقر الى الرقّة ، الأنف مكور كبصلة ، العينان على جانب كبير من القبح ، فوقهما حواجب ثقيلة ، ماذا بقى في هذا الوجه من خصلة جميلة – سأل نفسه – وتذّكر إن بطل روايته الجديدة جوليان سوريل ، شاب جميل تعشقه النساء ، إلتفت ناحية الأوراق المتناثرة على المكتب ، كم تمنى ان يصحو يوماً فيجد نفسه وقد تحول الى جوليان آخر ، بلا كرش منتفخ وساقين مفرطتين في القصر ، كان زملاؤه في المدرسة يسمونه “البرج المتنقل”، لكن الكتابة أصبحت شيئاً ثقيلاً ، طقساً بطيئاً يدوم كل يوم من الصباح حتى ساعات الغروب الاولى ، منذ ستة اسابيع لم يكتب سوى صفحات قليلة من هذا العمل المتعب “الاحمر والاسود” ، كان والده يريد منه ان يصبح محامياً ، ولم ينقذه من هذا المصير سوى وفاة والدته .

يكتب في مذكراته إن طفولته كانت تعيسة بسبب تزمت والده الذي كان يرفض الاختلاط ، أحب الثورة الفرنسية ، وحين دخل أبوه ذات يوم يحمل خبر اعدام لويس الرابع عشر وهو يصرخ ” قتلوه الجبناء ” يقول ستندال :” لقد جرفتني موجة من الفرح الطاغي ، لم أحس لها مثيلا في حياتي ” .

في الثاني والعشرين من آذار عام 1842 شاهد المارة ، رجل الضخم الجثة يجر قدميه بصعوبة ، يتذكر تلك الايام الجميلة حين كان يصوب بصره الى النساء ، أما الآن فالبصر تعبان واليد ضعيفة ، والعينان ترقدان خافتتين ، شفته السفلى ترتعش ، فقد اصيب قبل ايام بنوبة دماغية مؤلمة ، لم تعد باريس كما كانت يوم وصلها وهو شاب صغير ، كان يطمح آنذاك ان يصبح مغنيا ، ثم قرر ان الكتابة للمسرح افضل مهنة له لكنه فشل فيها ، باريس هذه تغيرت كثيرا في ظل الموت الذي يتقرب منه كثيرا ، ينقل نظراته المتعبة بين المتنزهين ، يقترب من احدى النساء التي تسأله وهي تبتسم عن مهنته فيجيبها بصوت متقطع : “انا مراقب القلب البشري” ، وما ان يتركها ويسير خطوات حتى ينهار وقد جحظت عيناه وازرق وجهه ، لقد اصابته النوبة من جديد ، يتجمع المارة حوله ، ثم يحملونه الى غرفته في الفندق ، حيث الأوراق تتوزع على المنضدة وعلى احداها كتب : ” لا اجد شيئاً مضحكاً في ان أموت في الشارع ، مادمت لا افعل ذلك عامدا.”

في اليوم التالي ينشر نعيه بستة اسطر فقط ، فيما وصيته لم تكن سوى صندوق خشبي كبير طلب بأن ينقل الى المكتبة العامة ، هناك حيث يجد القائمون على المكتبة اكثر من اربعة الاف ورقة تمثل سيرته التي كتبها منذ ان دخل باريس اول مرة ، يكتب في احدى الاوراق : “سأكون مشهورا في يوم من الايام ” يرثيه بلزاك في كلمات مؤثرة : “ان ستندال يكتب حسب ما يهبط عليه من إلهام ، لكنه لايريد ان يلهمنا ، والاصح انه يريدنا ان نتعلم ، ان نرى في برود الشهوة نوعا من الزهو الباطل ، وان العاطفة الحارة ما هي الا زهو باطل يصل الى درجة الجنون. “

احب ستندال النساء منذ طفولته ، وقد كان يحب ان يتخيل نفسه منقذا لامرأة مجهولة جميلة من الخطر ، وحين وصل باريس كتب لأحد اصدقائه : “ما أبحث عنه امرأة ساحرة وسوف أعبدها مثما أجعلها تعرف أسرار روحي.” وعندما تقدمت به السن كان يكتب في اوراق ملونة الأحرف الاولى من اسماء النساء اللواتي احبهن ، لقد كانت النساء شغفه الرئيسي وجوهر حياته .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.