أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

قراءة في رواية النباتية

قراءة في رواية النباتية
للروائية الكورية/ هان كانغ

بقلم/ علي حسين

عجيب أمر الحياة، فحالما انتهى الضحك، راحت تفكر في إنه حتى بعد وقوع اشياء حقيقية لهم ، وبغض النظر عن بشاعة تلك الاشياء، فما زالوا ياكلون ويشربون ويقضون حاجاتهم ويواصلون العيش.

هان كانغ من روايتها "رواية النباتية"
هان كانغ من روايتها “رواية النباتية”

في رواية “النباتية” التي لاتتجاوز صفحاتها الـ” 200 ” صفحة تقدم لنا هان كانغ صورة بالغة الروعة والدقة عن الوضع الاجتماعي الذي تعيش فيه المرأة في العصر الحديث، وتطرح اسئلة عن الظلم والتمرد والاختلاف بين البشر، والجنون الذي يصيب الانسان في لحظة ضعف من خلال حكايات ابطالها.

في الصفحة الاولى من الرواية يخبرنا السيد تشيونغ عن زوجته التي قررت فجأة الامتناع عن تناول اللحوم وطبخها، وهو يعطينا انطباع عن نظرته الى زوجته هذه: “لم أكن أرى شيئاً مميزاً في زوجتي قبل أن تصبح نباتية، وأقولُ بصراحةٍ إنني لم أشعر بانجذابٍ نحوها حين رايتها أول مرَّة” فهي في نظره: “قليلة الكلام، كانت القراءة – لسبب غير معلوم – شيئا تغمس نفسها فيه، تقرا الكتب التي تبدو مملة الى درجة انني لا استطيع ان احمل َ نفسي على مطالعة اكثر من اغلفتها” .. لماذا أصبحتُ نباتية تبرر الزوجة “يونغ هاي” فعلها هذا بحلم رأت فيه فمها وثيابها ملطخة بالدماء، ووجهها ينعكس في بركة دم، فيما تمسك بسكين تقطع به اصابع يدها. بعد ذلك الحلم تبدا تتحول إلى كائن يتصرف بغرابة، فلا تطيق اللحوم ولا تطيق الاقتراب من زوجها وملامسته والنوم معه، لأنه يذكرها برائحة اللحوم، الزوج الذي يشكو تصرفات زوجته يبدا باثارة حملة ضدها تدفع والدها إلى معاقبتها بضربها، ووضع اللحم بالغصب في فمها. ترد على العقوبة بقطع شرايين يدها، وعندما تنقل الى المستشفى تقرر خلع ثيابها والوقوف في حديقة المستشفى على يديها ورأسها كالشجرة حيث تحلم بأوراق تنبت من جسمها، قائلة إنها لم تعد حيواناً وإنها تحتاج فقط الى الماء والضوء. إنها تتذكر الآن حياتها حيث كانت ضحية لعنف الأب الذي ظل يضربها حتى بلغت الثامنة عشرة من عمرها.

في القسم الثاني من الرواية سنتعرف على زوج شقيقتها، مخرج أفلام فيديو، يفاجأ ذات يوم حين يرى ملصقاً لعرض مسرحي فيه ررجال ونساء عراة إلا من رسوم لأزهار ملونة على أجسادهم. خطرت له فكرة تصوير فيلم حين علم من زوجته أن على جسد شقيقتها علامة ولادة زرقاء صغيرة اشبه بالنبتة. كانت “يونغ هاي” بشعة ربما مقارنة بزوجته، لكنها تشعُ طاقة، وبدت له مثل شجرة في البرية. يزورها في المستشفى متظاهراً أن شقيقتها قلقة عليها، توافق في النهاية على فكرته ان أن يصوّرها،

في الاستوديو، يرى العلامة الشاحبة الزرقاء – الخضراء. يرسم جسمها بالأزهار بدءاً بالعلامة، ويصوّر نفسه وهو يرسمها. كان جسدها جسد شابة جميلة يُفترض أن يكون موضع الرغبة، لكنه خلا منها تماماً لرفضها الحياة فيه وتركها لجمالها يذبل مع الأيام.

بعد منحها جائزة البوكر اكدت اللجنة المشرفة على الجائزة ان هان كانغ نجحث في “النباتية” بـ “إظهار التلاحم الطريف بين الجمال والرعب عبر قصة مركزة ودقيقة ومروعة، عن امرأة تستحيل إلى نباتية بين يوم وليلة دون أي مسوغات، سوى الكابوس الذي نبش حلمًا من أحلامها في إحدى الليالي”، وقال الناقد البريطاني بويد تونكن الذي راس لجنة تحكيم البوكر أن: “هذه الرواية الموجزة والمقلقة والمكوّنة بشكل جميل تتتبع رفض المرأة العادية لجميع الاتفاقيات والافتراضات التي تربطها قسراً بمنزلها وعائلتها والمجتمع في أسلوب غنائي يكشف عن تأثير هذا الرفض الكبير على كل من البطلة نفسها وعلى من حولها. سوف يظل هذا الكتاب الصغير والرائع والمزعج طويلاً في العقول، وربما في أحلام قرائها.

تطرح هان كانغ في “النباتية” فكرة المعاملة السيئة للنساء، فالبطلة حين تتحول إلى نباتية تلام بشدة، ويَصِمونها بالجنون، وكأن ليس من حقها أن تختار، بل هذا الخيار الحرّ نحو ما يلائم شخصيتها لا وجود له في عالم المرأة المتزوجة، هذا الانتهاك الذي يتعرض لحريتها الشخصية ربما هو المبعث الأساسي لفشل حياتها الزوجية، ليس هذا فحسب، بل إن الرواية أيضًا تظهر طبيعة المجتمعات التي لاتتقبل اختلاف الآخر، قالت “هان كانغ” بعد فوزها بالبوكر: “أردت أن أصف امرأة يائسة لم تعد تريد أن تنتمي إلى الجنس البشري. فالبشر يرتكبون العنف، فكيف يمكن لي أن أتقبل أن أكون أنا واحدة من هؤلاء البشر؟ هذا النوع من المعاناة دائما يطاردني”.

ولدت هان كانغ في كوريا الجنوبية عام 1970، نشرت اولى محاولاتها الادبية وكانت مجموعة من القصائد عام 1993 بعدها نشرت عددا من القصص القصيرة، والروايات فازت بجائزة يي سانغ الأدبية وجائزة الكاتبة الشابة، كما فازت بجائزة مان هاي الأدبية وتعمل حاليا أستاذة في قسم الكتابة الإبداعية في معهد سيول للفنون..في طفولتها عشقت الكتب من خلال والدها الذي يحب جمع الكتب: “كنت محاطة بالكتب دائما على الأرض وفي كل زاوية وركن حيث غطت الكتب كل شيء ما عدا النافذة والباب فقد أبقى والدي المكتبة متنامية وأذكر أني شعرت دائما بأن الكتب كانت توسعية بمعنى أنها كانت في وفرة مستمرة إلى حد أنني فوجئت عندما زرت منزل صديقي ورأيت كيف أنه أفتقر إلى الكتب”.

ستتذكر بعد سنوات بيت من الشعر، كانت قد قرأته للشاعر الكوري يِي سانغ: “أؤمن بأنْ لا بُدّ للبشر أن يكونوا نباتًا”.

قالت في مقابلة مع صحيفة الغارديان بعد تسلمها الجائزة قالت: “من خلال هذه الرواية المتطرفة شعرت أنني أستطيع أن أتساءل، السؤال الصعب عن كونك إنسانيا، كنت أفكر في طيف السلوك البشري، من السمو إلى الرعب، وتساءلت، هل من الممكن حقا للبشر أن يعيشوا حياة بريئة تماما في هذا العالم العنيف، وماذا سيحدث إذا حاول شخص ما تحقيق ذلك؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.