فكر مختارات مقالات

عرض كتاب مفهوم الحرية

قراءة في كتاب مفهوم الحرية
 للكاتب المغربي عبد الله العروي

بقلم : صلاح الدين ياسين – المغرب

يمكن لنا تصنيف هذا الكتاب في مصاف المؤلفات الفكرية و النظرية التي عنيت بمقاربة مفهوم الحرية وصفا و نقدا، حيث تناول العروي بداية تيمة الحرية كشعار، ليتعرض بعدها إلى البعد النظري و التأصيلي للمفهوم، قبل أن يمر إلى وصف عملي للمفهوم و بخاصة في راهننا العربي:

1- طوبى الحرية في الدولة السلطانية التقليدية:

صدورا من خلفيته التاريخانية العميقة، ينتقد العروي الطروحات الإستشراقية المختزلة والتبسيطية التي روج لها طيف من المستعربين الذين سلموا بقصور التجربة العربية التاريخية عن الوعي بالحرية و الدعوة إليها ، حيث اختط مسلكا مباينا ليدحض به المسبقات الإستشراقية، إذ تجاوز ما تضن به المراجع الفقهية و اللسنية التقليدية من إحالات إلى الحرية بمدلولها الليبرالي، متوسلا بالرموز التاريخية التي تنطوي على كثافة مشهودة في الشعور بقيمة الحرية على الرغم من ضعف استيعابها النظري.

ومن بين هذه الرموز التي يحيل إليها المؤلف “البداوة و العشيرة” اللتان شكلتا حصنا للفرد في مواجهة عسف الدولة السلطانية التقليدية ، إضافة إلى “التصوف”، الذي لا يعني سوى الخلاص من القيود الموضوعية و نشدان الحرية الروحية و الوجدانية.

2- الحرية كشعار:

شكل ما يعرف ب”عهد التنظيمات” متغيرا نوعيا في التعاطي مع موضوعة الحرية ، حيث أدى الخطر الأجنبي الداهم على الدول العربية المنضوية تحت العباءة العثمانية إلى توسيع نفوذ الدولة السلطانية على حساب الجماعات العضوية التي كانت تحمي الفرد من بطشها ، و هو ما سيتولد عنه نشوء الشخصية الفردية العربية المتحررة من إسار العادات التقليدية، حيث سيعرف مطلب الحرية تداولا غير مسبوق في المجال الخطابي و التعبيري.

وكنتيجة لهذا التطور التاريخي ، أصبح مطلب الحرية الليبرالية الهاجس الرئيس للأنتلجنسيا العربية في الفترة التي سميت ب”عصر اليقظة”، حيث كانت الظرفية التاريخية المتسمة بعدم اختبار أي تجربة ليبرالية فعلية تحتم على النخبة موضعة الحرية كشعار معبئ دون الخوض في متاهاتها الفكرية و الفلسفية. لذا، فقد كانت توجهات مفكري عصر اليقظة العربية أقرب إلى ليبراليي القرن 18 كروسو و لوك و سواهم الذين قاربوا الحرية كحق إنساني طبيعي دون أن يعبأوا بالتأصيل النظري و الفكري للمفهوم.

3- الحرية كمفهوم نظري و فلسفي:

أفضت المفارقات التي تمخضت عن التجربة الليبرالية المحدودة التي شهدتها بعض الأقطار العربية في سياق أفول الدولة العثمانية إلى تسييد مقاربات نقدية لدى طيف من المفكرين العرب إزاء مفهوم الحرية الليبرالي مما رسخ الوعي بضرورة العمل على تفكيكه و تأصيله نظريا بالإرتكاز إلى مدارس فكرية مستوردة و أهمها الماركسية ، الهيغيلية ، الوجودية ، سيما في ظل رسوخ قناعة عند بعض رموز الفكر العربي بارتباط الفكرة الليبرالية بمخرجات الإستعمار الغربي الذي تحررت منه تلك الدول حديثا .

و قد تعرض العروي بالشرح و التفصيل لتلك التيارات الفكرية المستوردة مفككا منطلقاتها النظرية الأساسية ، ليستقر على خلاصة أساسية مفادها أن أغلب المدارس الفكرية التي عنيت بتأصيل مفهوم الحرية متجاوزة بذلك ما تصفه بمحدودية أفق الفكر الليبرالي قد انتهت إلى نفي الحرية الليبرالية على صعيد الممارسة ، وهو ما يضفي الشرعية على موقف ليبراليي عصر الأنوار الذي زكاه العروي و مؤداه أنه كلما تم التمادي في تأصيل الحرية فكريا ، تقلص نطاقها على صعيد الممارسة: ” إن استبدال النظرية بالوضعانية ليس عجزا ، بل هو ضمان للحرية ذاتها “.

لكن العروي يختلف عن موقف الليبرالية التقليدية ببعدها الأنواري حين يشدد على أن تحقق الحرية الليبرالية في الممارسة رهين برفع العوائق الموضوعية التي تقف حائلا أمام تفتق الشخصية الفردية المستقلة و أهمها تسلطية و استبدادية الدولة و محاصرتها للعلوم الإنسانية و الإجتماعية ، وهو ما يضعه على طرف نقيض مع بديهيات الفكر الليبرالي التأسيسي الذي يعتبر الحرية الأصل و المنطلق متغافلا بذلك عن الشروط الموضوعية والتاريخية: “إن الوعي بالوجدان الفردي نتيجة من نتائج التطور التاريخي ، و ليس في أصل التطور كما تتخيل ذلك الفلسفة التأملية”.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.