فكر مختارات مقالات

عرض كتاب مدخل إلى الميتافيزيقا

قراءة في كتاب مدخل إلى الميتافيزيقا
للمؤلف/ إمام عبد الفتاح إمام

بقلم : صلاح الدين ياسين – المغرب

شخصيا أعتبر هذا الكتاب من صفوة الكتب التي طالعتها في مجال الفكر و الفلسفة ، بحيث يشرح كاتبه موضوعا فلسفيا معقدا بأسلوب مبسط و سلس .

يضيء هذا الكتاب على الدلالة الأصلية للفظة الميتافيزيقا و يقدم جردا للتطور التاريخي الذي مر به هذا المفهوم ، فيحدثنا بداية عن نشأة هذا المفهوم بمحض المصادفة بدليل أن أرسطو الذي ينسب إليه لم يستعمله و إنما لم يعرف طريقه للتداول إلا في العصر الهلينستي (الذي امتاز بتدويل المعارف اليونانية و نشرها على مستوى عالمي) عندما عمل أحد رؤساء المدرسة المشائية بروما على نشر و ترتيب كتابات أرسطو فوجد أن بعض البحوث لم يختر لها أرسطو عنوانا محددا و تصادف أن وجدت في الترتيب بعد كتابات أرسطو بشأن مواضيع الطبيعة (الفيزيقا) ومن هنا جاءت تسمية ميتافيزيقا أي ما بعد الطبيعة.

و قد ارتبطت نشأة الميتافيزيقا عند اليونان بالأنطولوجيا إذ كان يراد بها البحث في الخصائص الكلية للوجود أو كما قال المعلم الأول (أرسطو) البحث في الوجود بما هو وجود being as being بمعنى المواضيع التي تتجاوز الظواهر المحسوسة و المرئية كالوجود الإلاهي الذي يعتبر العلة الأولى للوجود ، و النفس و الروح.

كما يقتضي البحث في أصل الوجود و طبيعته التمييز بين الظاهر غير الحقيقي و ما وراء الظاهر أو الجوهر حيث تكمن الحقيقة ، و صدورا من هذا فإن التفكير الميتافيزيقي لا يكتفي بالمعرفة الظاهرية التي تزودنا بها الحواس لأنها تظل قاصرة عن الوصول إلى مستوى المعرفة الفلسفية و العلمية ما دام أن دورها يقتصر على الوصف و الإدراك ، لذلك العقل هو الوسيلة الوحيدة التي تمكننا من الغوص وراء الظاهر و من ثم استجلاء الحقيقة ، لذا فإن الخاصية الأساسية للتفكير الميتافيزيقي هي توسله بالمنهج العقلاني و العلمي بوصفه الطريق الحتمي للوصول إلى الحقيقة.

و لم يطرأ تغيير على المعنى الأصلي الذي ألصقه فلاسفة اليونان بالميتافيزيقا طيلة القرون الوسطى حيث ظل فلاسفة الإسلام و المسيحية أمناء له ، لكنه ما لبث أن شهد تطورا نوعيا في الفلسفة الحديثة على يد رموز عصر التنوير كلوك و هوبز و كانط و ديكارت الذين نقلوا التفكير الميتافيزيقي من طور الأنطولوجيا إلى طور الإبستمولوجيا أو نظرية المعرفة ، بحيث طرحوا جملة من الأسئلة بخصوص مصدر المعرفة ( هل هو الحواس و التجربة أم العقل أو هما معا) ، و طبيعتها و مداها أو حدودها(هل الإنسان مهيأ لمعرفة كل شيء ، أم إن قدرته على إدراك المعرفة محدودة بحدود العقل البشري).

وصولا إلى الفلسفة المعاصرة ، حيث ستعمل الفلسفة الوجودية التي نشأت في القرن 19 و يعد من أبرز روادها سارتر و هيدجر و كامو ونيتشيه على تطوير موضوعات الميتافيزيقا من خلال الإنتقال من دراسة الوجود الكلي المجرد و غير المحسوس إلى دراسة الوجود العيني existence المتصل على وجه التحديد بالذات البشرية و المشكلات المرتبطة بها كالحياة و الموت.

و تصدر الفلسفة الوجودية المعاصرة من منطلق أساسي وهو مركزية الفرد باعتباره ذاتا متفردة unique  لا مثيل لها ، و من ثم فهي تميز بين الذات الحقة التي تصنع ماهيتها الخاصة حيث تفترض الوجودية أن وجود الإنسان يسبق ماهيته بخلاف ما تقول به النزعات القدرية و الحتمية من جهة ، و الذات الزائفة التي تذوب في الكلي و تنساق مع ميول و تقاليد الجماعة مما يفقدها هويتها المتفردة و أي معنى لوجودها من جهة ثانية ، كما تؤكد الوجودية على أن العلاقات الإجتماعية يتعين أن تحفظ للفرد تفرده و استقلاليته.

و في الفصل الختامي ، يعطي المؤلف نماذج للمشكلات الميتافيزيقية كالأدلة على وجود الله ، بحيث أشار إلى انقسام الفلاسفة بين فريق اعتمد الأدلة العقلية باعتبار أن العقل هو طريق الإيمان كما قال بذلك ديكارت ، و فريق آخر انحاز إلى الأدلة اليقينية بوصف الإيمان مسألة قلبية خالصة و أن العقل قد يقود إلى نقيض الإيمان.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.