أدب و تراث مختارات مقالات

عرض رواية السمان والخريف

قراءة في رواية السمان والخريف
للأديب المصري نجيب محفوظ

بقلم/ م. حسام شلش

“ألا يمكن أن يؤكد انتسابه إلى الانسان ويتناسى انتسابه الجبري إلى هذا الوطن”

أتذكر ان (نجيب محفوظ) ذكر في أحد كتبه أو لقاءته أنه سوف يكتب تاريخ مصر على مدار سنوات حياته من خلال رواياته المختلفة، وأن رواياته سوف تكون توثيق للحقبة الزمنية التي عاشها نجيب، فكم كانت حقبة مليئة الاحداث ومثيرة الآراء والأحوال مرورا بثورات وانقلابات وحروب مختلفة وصعود أشخاص وهبوط أشخاص أخرى.

(السمان والخريف) ليست مجرد رواية ولكنها توثيق لفئة سياسية من الشعب كانت لفترة من الزمن تتقلد الكثير من حبال الحكم في مصر، وهي فترة سيطرة الوفدين والاقطاعيين والتي بدأت مع ثورة 1919 إلى ان تم الإطاحة بالملك من قبل حركة الضباط الاحرار والبدء في التخلص من الوفدين والاقطاعيين وعزلهم من مناصبهم وخروجهم من وظائفهم الحكومية بصورة شبه جيدة.

تدور احداث الرواية حول شخص يسمى (عيسى الدباغ) وهو شخص سياسي وصاحب ترقيات استثنائية بداخل وظيفته الحكومية ويطمح لان يكون وكيلا لاحد الوزارات على الرغم من صغر سنه، وكذلك ذو مكانة عالية بداخل الحزب السياسي المسيطر بتلك الفترة حيث كان من اختصاصات (عيسى) تعيين العمد بداخل القرى و الأرياف و الموافقة عليهم ، ولكنه كان يستغل ذلك في الحصول على الرشاوى و الاكراميات من عمد البلاد المختلفة للموافقة على تعيينهم مما ساعده ذلك على تكوين ثروة صغيرة لابأس بها تمكنه من العيش في حياة مادية مريحة ، إلى انا تحدث الثورة و يتم الإطاحة بالملك ورحيله ليجد (عيسى ) نفسه محال على المعاش وفاقد لكل شيء لوظيفته السياسية و الحكومية وخطيبته أبنة أحد الاعيان.

تناقش الرواية العديد من القضايا ليست فقط القضايا السياسية او الاجتماعية ولكنها تتطرق لبعض الفلسفية على الرغم أن نجيب كما يتضح لي انه كتب تلك الرواية بطريقة واقعية جدا أكثر منها فلسفية رمزية ولكنه ببراعته الأدبية المعروفة استطاع ان يدس الكثير من الاسقاطات الرمزية بداخل شخصيات الرواية كشخصية الصوفي والتي يعشقها نجيب محفوظ ولا تخلوا منها رواياته.

أفضل محور برأيي الشخصي كقارئ كان محور شخصية بطل الرواية (عيسى الدباغ) حيث يعرض الكاتب مراحل تطور شخصية (عيسى) والمقارنة بين شخصيته قبل قيام الثورة وبعد قيام الثورة وكذلك توضيح العوامل التي أثرت بتكوين شخصيته مثل أثار الثورات بنفسه ومرورا بتعذيبه داخل المعتقلات إلى ان تنقلب الاحداث ويصبح حزبه هو الحاكم وتنقلب نفسه على الشباب الثائر ظنا منه بأنهم في احتياج إلى تأديب وظنا كذلك بأن حزبه هو الأفضل والاحق بالحكم.

كذلك من النقاط الرائعة والتي تناولتها الرواية ما تغييره السياسية وأثرها  الشديد على الشخصيات العاملين بها على الرغم من غدرها الغير متوقع بأي لحظة ويستشهد الكاتب على تلك النقطة بالعلاقة ما بين (عيسى) و (حسن) حيث أن (عيسى) كان يحتقر (حسن) على الرغم من صلة القرابة بينهم ولكن مع سقوط الكفة السياسية لحزب (عيسى) و احالته للمعاش لنجد سطوع نجم (حسن) لمرحلة تجعله يبحث محاولا تعيين (عيسى) بداخل أحد الوظائف ولا يكتفى (حسن) بذلك بل يسعى للزواج من خطيبة (عيسى) السابقة أبنة الباشا.

أيضا يوضح (نجيب محفوظ) الكثير من أرائه واراء الكثيرين بتلك الحقبة الغير مهتمين بالسياسة فكل ما يسعون اليه هو مجرد راحة البال والحياة بدون حروب ومشكلات مستشهدا بقول أحد الشخصيات:

“ضاع العمر من حرب لحرب لحرب، صفارات إنذار وقنابل مدافع وقنابل طائرات، الا يحسن أ، نبحث لنا عن مأوى غير هذا الأرض”

وصف الأماكن والشوارع خاصة بعد الإطاحة بالملك وتصورها ورؤيتها من وجهة نظر الراوي كان من المحاور الرائعة ودائما معروف الكاتب (نجيب محفوظ) بدقته الرائعة في وصف الأماكن والبيوت والشوارع وتوصيلها الى القارئ بطريقة تجعلك تندمج بداخل الكتاب وتتعلق بذهنك بشدة كقارئ وتظل بداخلك.

في النهاية يتبقى بداخلي تساؤل سبب تسمية الرواية بذلك الاسم (السمان والخريف) فلماذا السمان؟ ولماذا الخريف؟

أعتقد استخدام الكاتب لفصل الخريف لمدلول الخريف على الوسط ما بين الفصول الزمنية وتشبيهها ببطل الرواية فكم شعرت مع (عيسى) بالتشتت وازمة الانتماء ما بين الحزب وبين الوطن، وتتضح تلك الصورة بصفة خاصة في استمرار (عيسى) الدائم في البحث عن بيته الخاص وانتقاله الدائم بين المنازل والاستراحات والمحافظات المختلفة وعلى الرغم امتلاكه لبيت ابيه الخاص والذي كان برأى يمثل وطنه الأصيل، الا اننا نجد (عيسى) حريصا على بيعه وتفضيله على ان يظل مشتت بلا عمل او منزل يستقر به.

ولكن للأسف لم أصل لفكرة الكاتب من استخدام طائر السمان، فهل كان يرمز إلى عيسى أيضا؟ (يا ترى كان قصدك ايه يا نجيب؟!)

الرواية جميلة وبها العديد من الرموز والاسقاطات للعديد من البشر والاحداث المتواجدين في كل زمان ومكان ولذلك انصح بقراءتها بشكل جاد وبتركيز وتفكير.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.