فكر مختارات مقالات

كي لا يخفت صوت الحرية

” بابيت ” سنكلير لويس .. كي لا يخفت صوت الحرية

بقلم/ علي حسين

كان قد نشر ثلاثة عشر رواية حين جعلته الأكاديمية السويدية الملكية اول اديب امريكي يفوز بجائزتها. اعتقد العديد من النقاد أن أدبه قبل نوبل أفضل منه بعدها. قال عنه همنغواي وهو يسمع ان صاحب ” الشارع الرئيسي ” دخل المعقل النوبلي:” ياله من كاتب نكرة “، اثار الانزعاج بكتاباته الساخرة من اميركا، وضيق افق مواطنيها، ظل يحفظ عن ظهر قلب عبارة هنري ديفد ثورو: ” هل نسمي هذه البلاد بلاد الاحرار ؟ ما جدوى ان نولد احرارا و نعيش احرارا ؟، صرفنا عن طريقنا وضيق علينا الخناق “، طوال حياته ظل يشعر بانه انسان مشرد، عاش عيشة بويهيمية، تملكته الخمرة حتى انه نسي مراسيم تسليم جائزة نوبل حيث قضى الوقت نائما في دورة مياه تابعة لدار النشر التي تطبع مؤلفاته، اسرع اصدقاءه لوضع راسه تحت الماء، لبس بدلة جديدة ثم وقف امام ملك السويد ليتسلم الجائزة، بعدها اثار غضب مواطنيه الاميركان وهو يقول في خطاب الجائزة:” أن “معظمنا في أمريكا – وليس القراء وحدنا، بل حتى الكتاب – لا يزالون خائفين من أي أدب ليس تمجيدًا من كل شيء أمريكي، تمجيد لأخطائنا وكذلك فضائلنا، ثم يضيف بنبرة غاضبة:” أمريكا هي أكثر الأراضي المتناقضة والأكثر إحباطًا وإثارة في العالم اليوم”.

في سيرته الذاتية سيكتب عن الشاب الوحيد الذي اسيء فهمه، وكان شكله يثير اشمئزاز المقربين منه، لكنه بدلا من ان يعيش محبطا، انطلق ليكتشف حقيقة الحياة في اميركا، قالت زوجته:” من المهم القول انه لم يبدع مدرسة للكتابة مثلما فعل همنغواي وفوكنر وهنري جيمس. ترك لويس تاثيرا على التفكير الشعبي وليس على الكتابة الشعبية “..ظل يحلم باميركا افضل بكثير من تلك التي كان يعيش فيها، عاش قلقا على حلمه هذا، فحاول ان يجسده باعمال ادبية تلقي اضواء كاشفة على الحياة، والاضطهاد العنصري، والتمسك بالمظاهر والشكليات الكاذبة، والتعصب، والنفاق، والخداع.عاش وهو يؤمن انه ينتمي الى سلالة والت ويتمان وهنري ثورو وإيمرسون ومارك توين، حيث استطاع مثلهم ان يشن حملة على تقنين الافكار، ومثلمهم كان يحلم بامريكا افضل واحسن من التي يعيش فيها حيث استطاع كما كتبه عنه سكوت فيتز جيرالد ان:” يغير اتجاه شعلة الضوء المقدسة التي يحملها بين يديه، شعلة النقد المتقدة، ويوجهها صوب مؤسساتنا التي نحمل لها كل تقديس واحترام، وجهها صوب المدينة الصغيرة، صوب رجال الاعمال، صوب الدين، صوب الامريكان “.

ولد سنكلير لويس في السابع من شباط عام 1885 بمدينة سوك سنتر، لعائلة من الاطباء، وفي الوقت الذي سعى الاب وكان طبيبًا صارماً الى ان يجعل من ابنه الاكبر طبيبا مشهورا، لم يولي اهتماما لابنه الاصغر ” لويس “، وواجه صعوبه في التفاهم مع طفل ” هائم في الخيال ” كما كان يطلق عليه، وسيكتب فيما بعد في يومياته:” لعلني لم اشعر بميل في التاثير على احد من الناس، اكثر من رغبتي في التاثير على ابي. ولكنني لم انجح “. في السادسة من عمره تتوفى والدته، وسيترك رحيلها اثرا كبيرا في حياته، حيث سيجد نفسه وحيدا في مواجهة أب قاسي الطباع. في طفولته كان يشعر انه غريب، فقد كان نحيفا للغاية يعاني من التهابات في الوجه. وجهه مليء بالندوب، وقد وصفه الروائي غور فيدال بانه يمتلك نوعا بشعا من القبح، ووصفه همنغواي بانه صورة عديمة الرحمة.

عاش طفولته وهو يشعر انه غريب، قال لوالده انه تعب من السخرية التي تلاحقه في المدرسة، وسيضطر الى ترك الدراسة لعدة شهور، في الثالثة عشر من عمره يهرب من المنزل، حيث قرر ان يصبح قارع طبول في الجيش، لكن والده يقرر حبسه في البيت، يبدأ بقراءة تولستوي وغوغول ودستويفيسكي وبوشكين وتورجنيف، ويتاثر كثيرا بكتابات تشارلز ديكنز وولتر سكوت، ويعثر في احدى المكتبات الصغيرة على كتب ماركس، يقرر التفرغ لقراءة راس المال، لكن اسلوب الكتاب الجاف يجعله يغير رايه، يقرا مؤلفات انجلس وهيغل ونيتشه، يكتب في يومياته كنت أحاول أن أمزج بين الأفكار الأكثر غرابة، بين ما فعله نيتشه، أو ما فعله ما حققه ماركس “.

عام 1903 يلتحق بجامعة بيل ويساهم في تحرير مجلتها الادبية، كان يقضي معظم وقته في مكتبة الجامعة حيث قرأ اعمال نيتشه وهيغل ومؤلفات ه.ج.ويلز التي تاثر بها كثيرا، لكنه يتعثر في الحصول على الشهادة الجامعية، مما يدفعه للرحيل الى انكلترا، بعدها سيعود ليستقر في نيويورك حيث يعمل في مهن عدة، كان اكثرها اثارة بيع اناشيد الاطفال للمجلات، عام 1907 يعود الى الجامعة ويحصل على الشهادة الجامعية، بعدها يقرر ان يقوم برحلته السياحية في جميع ارجاء اميركا، وهي الرحلة التي استمد منها موضوعات معظم رواياته. للفترة من عام 1909 وحتى عام 1913 يعمل كاتب بالقطعة في عدد من الصحف، وستثير احدى مقالاته حفيظة الكنيسة حيث نشر عام 1910 مقالا عن رجال الدين الدجالين والمبشرين المحتالين وفيه يكتب:” لقد كان كبار المصلحين قارعين للابواب في معظم الاحيان..ومع ذلك كان هؤلاء القارعون هم الذين انقذوا العالم “.

بدأ انتاجه الروائي عام 1914 بنشر رواية ” صديقنا المستر رين ” لكنها لم تجد قبولا عند القراء، وقبلها كان قد نشر اكثر من خمسين قصيدة وعدد من القصص القصيرة، عام 1915 ينشر روايته الثانية ” طريق الصقر ” والتي لاقت نفس الفشل، بعدها سيواصل نشر عدد من الروايات منها ” المهنة ” و ” الابرياء ” و” الهواء الحر ” وستلاقي نفس المصير، لا احد من النقاد يهتم بها، والقراء ينفرون منها.. عام 1919 يصبح عضوا في الحزب الاشتراكي، في رسالة الى برنار دشو يخبره:” قد جعلتني كتاباتك اشتراكياً “، ونجده ينشر مقالا بعنوان ” زوال الراسمالية ” يكتب فيه:” الا يبدو لنا اليوم ان كل كاتب تقريبا – في امريكا وفي انكلترا معا – ينبغي عليه ان يوضح في قوة، ان الراسمالية إن هي إلا شيء يتخذ هدفا للهجوم، وانها شيء في طريق الزوال والافول “. عام 1920 نشر روايته الكبيرة ” الشارع الرئيسي

التي ستضعه في مصاف كبار كتاب امريكا، انها ” رواية عن نفسي “، هكذا يصفها، وفي مقدمة الرواية يعلن عن الهدف من وراء كتابتها: ” هذه هي امريكا، وهذا البلد يسمى في قصتنا ” جوفر بريري ” لكن الشارع الرئيسي استمرار للشارع الرئيسي في كل مكان، والقصة كان يمكن ان تكون هي القصة نفسها في اوهايو او مونتانا، في كانساس او كنتاكي او إييلينوي، وما كان لها ان تختلف كثيرا لو ان قصتها كانت شيئا عن ولاية نيويورك او فوق مرتفعات ولاية كارولينا “.انها رواية تدور عن هؤلاء المعزولين عن الحياة بين اسوار القرية الامريكية.

في الشارع الرئيسي اراد سنكلير أن يسلط الضوء على الافاق الرهيبة التي بلغتها المدنية الامريكية الحديثة، حيث نجد بطلة الرواية ” كارول ” والتي تعمل بوظيفة متخصصة في المكتبات، هي الصورة الحية لأبناء جيلها الضعيف المهزوز.. فتاة من أهل الطبقة الوسطى، جميلة رشيقة جذابة، ولكنها حائرة الذهن لا تعرف ما تريد، وقد تعرف فتعوزها القدرة على تحقيقه.. تدخل الكلية كي تسلح نفسها بالمقومات الضرورية في بناء شخصية المرأة الحديثة المتحررة، ولكن مرحلة الدراسة تمضي بها قبل أن تتمكن من إقامة شخصية خاصة بها.. فتظل تنجح في امتحاناتها إنما بلا تفوق.. يحبها جميع زملائها من غير أن يحسوا بوجودها.. مع كل يوم مشرق جديد، يطرأ لذهنها مشروع رائع جديد، ولكن حماستها لا تلبث أن تفتر، فتبدأ في البحث من جديد.

من خلال شخصية كارول كنيكوت يطالعنا رأي سنكلير لويس في جيل ما بعد الحرب العالمية الأولى، الجيل الذي يعيش وسط متاهة الأفكار الكبيرة..

كان سنكلير يؤمن بان المهمة الاساسية للادب هي تغيير حياة الناس الى الافضل، وكان يعارض بشدة ان يتحول الادب الى مجرد وسيلة للهروب من الواقع وتجنبه، فالفن في نظره مواجهة للواقع وتحد له. وقد طبق هذا المفهوم عمليا في رواياته، نجده في روايته التي صدرت عام 1922 ” بابيت ” يقدم لنا المظاهر الكاذبة والشكليات الزائفة في مدينة “زينيث ” التي اراد لها ان تمثل امريكا بصفة عامة، حيث يروي لنا حكاية احد مواطنيها وهو جورج بابيت الذي ينتمي الى الطبقة المتوسطة، عمره ستة واربعون عاما، يميل جسمه الى البدانة، يعيش في احدى الضواحي النموذجية، وهو والد لطفلين، يتاجر في الاراضي الزراعية، هدفه في الحياة هو النجاح المادي الذي هو غاية امنياته.

تبدأ الرواية بوصف المدينة الحديثة، مدينة العمالقة، وبعد ذلك يبدأ سنكلير بالسخرية من حياة بابيت التي يجدها الكاتب بانها حياة تخلو من المعنى والاثارة والجمال يكتب في يومياته:” انني اريد ان تكون هذه الرواية ( الرواية الامريكية العظمى ) وذلك فيما يختص ببلورتها لشخصية الرجل العادي، وجعل هذه الشخصية حقيقة واقعة.. انه يمثلنا جميعا “. وقد كتب شيلدون نورمان في السير الذاتية لسنكلير لويس ان:” لويس يشبه بابيت في وده واخلاصه، وعدم تمسكه بالشكليات، في اندفاعه وصفاء روحه، في كراهيته لكل انسان متزمت سريع الانفعال “.عد النقاد رواية بابيت بانها امتداد لرواية ” الشارع الرئيسي “

الرواية تصف ذلك التحول إلى التمدن ومختلف السلوكيات السيئة التي برزت من خلال شخصية “بابيت”، الذي يحاول ان يؤسس لسلوكيات تروج لافكار أفكار التفوق والاستعداد لغزو العالم لنشر أفكار الليبرالية واقتصاد السوق عبر العالم. انها صورة للثقافة التجارية السائدة على الحياة الامريكية.. اثناء كتابة بابيت سافر سنكلير الى معظم المدن الامريكية، يسجل الملاحظات، ويرسم صورة للبيوت التي ستقع فيها الاحداث، مع مجموعة من التعبيرات والالفاظ السوقية، مع قائمة باسماء الشوارع الضيقة التي ستدور فيها احداث الرواية.. انه يخطط لان تكون روايته تحليلا دقيقا لسيكلوجية الثقافة الامريكية التجارية وحياة الطبقة الوسطى

لم يكن لويس قد عثر على عنوان للرواية حيث كتب عام 1921 انه بصدد وضع عدة مقترحات حول عنوان روايته الجديدة ومن بين هذه المقترحات او العناوين “التعداد السكاني “، ” المواطن الراسخ”، ” رجل عملي طيب “، ” رجل الدعاية المركزة “، لكنه سيختار فيما بعد ان يضع اسم الشخصية الرئيسية ” بابيت ” وبعد اعوام سنجد من يتكلم عن البابيتية كمذهب.. منذ نشر بابيت تعلم كل واحد ان الانتماء التقليدي هو الثمن الباهظ الذي تفرضه الثقافة التجارية السائدة على الحياة الامريكية

لقد اصبح من الشائع القول بان سنكلير لويس نفسه كان يملك ملامح جورج بابيت عندما تطلع الى قيم اعلى، لكن سنكلير كان مختلفا عن بابيت فهو يرصده، لكنه لم يتحمل مثله ثقل الحياة الامريكية، ولهذا نجده يدمن على الخمر، وعندما قرر الاطباء منعه من الشراب قال لهم انه لم يقرر بعد إذا كان سيعيش بدون كحول أو سيموت به، في العاشر من كانون الثاني عام 1951 يموت سنكلير لويس بعد ان توقف قلبه عن 66 عامًا.

يكتب في يومياته: ” ان قيمة الروائيين الخالدة العليا من وجهة نظر المؤرخين، قد لا تتمثل على الاطلاق في بلاغة القصصين في وصف آلام الشخصيات، كما لا تتمثل في تصوير جمال مدينة وروعة مناظرها. اننا لا نستبعد ان يكون السبب فيما تمتازبه بعض العبقريات – مثل ديكنز- من خلود وبقاء، ليس هو تسجيلها لحفلات التتويج والمعارك الحربية وما يصاحبها، بل تسجيلها للمثيرات الدقيقة المخلصة في الشخصيات العادية المالوفة، تلك الشخصيات التي تجعلنا نندمج معها وكانها تعبير عن ناحية ازو اكثر من مميزات شخصياتنا “.

لعل ما سيواجه القارئ وهو ينتهي من قراءة ” بابيت ” انه سيجد نفسه مثله يواجه عدة خيارات، بدءا من المسائل التافهة الى اتخاذ قرارات مصيرية، ان ” بابيت ” تشير الى ان سلاحنا الوحيد هو ان نمارس حقنا في الاختيار، وكي نختار الاختيارات الصحيحة نحتاج الى ان نكون قادرين على ان نفكر، وان نتامل، وان نتخيل، لان ما يباع لنا في المجتمعات الاستهلاكية ليس فقط معجون الاسنان او قطعة الملابس، او الطعام الدلفري، بل يبيعون لنا الرئيس المقبل، او الشخص الذي يمثلنا في البرلمان، يبعون لنا مستقبلنا وطريقتنا في الحياة ورؤيتنا للعالم، ولهذا يحذرنا سنكلير لويس من مجتمع الزيف هذا.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.