تربية فنون مختارات مقالات

افتقار عالمنا العربي لفنانين محترفين في أدب الطفولة

الفن في بلادنا

بقلم/ أ. هدى الشاعر

قبل أيام طرحت أحدى الزميلات في مجال أدب الأطفال إشكالية الخيال في رسوم كتب الأطفال، وافتقار عالمنا العربي لفنانين محترفين في هذا المجال، والحقيقة نتمنى أن نصل إلى اليوم الذي تتقدم به كتب الأطفال في عالمنا العربي ونباهي بها العالم، ليس على صعيد الرسم فقط وإنما الكتاب ككل، من كل جوانبه..

لا شك في أن مستوى الرسم في كتب الأطفال في عالمنا العربي ضعيف ومحدود نوعاً ما (وينطبق هذا على النص بشكل أكبر)، ولكن علينا ألا ننسى أن كتاب الطفل هو عمل مشترك لثلاثة أطراف على الأقل (الكاتب والرسام والناشر، ويمكن أيضاً إضافة المصمم) وربما أقلهم حظا في المشورة وسلطة الرأي حول الكتاب هو الرسام.. دور النشر في بلادنا تتعامل مع الرسام كشخص حِرفي صاحب مهنة (مثل الحداد والسباك والميكانيكي) ولا تنظر له أبدا كفنان ذو رؤية ورسالة.

وهذا بالتالي ينعكس على أداؤه في الكتاب، لا أحد يؤمن بالفنان في بلادنا (وفي قصة جانبية ربما ليس لها علاقة بموضوعنا، قام ابنائي وبناتي في أحد المرات بمساعدة أقارب في طراشة بيتهم، ودهنوا الحيطان بألوان جميلة ومختلفة، أعجبت اصحاب البيت، وكانوا كلما سئلوا عن دهان البيت قالوا ان هؤلاء الشباب والصبايا اللي طرشوا البيت كلهم دارسين فنون) وهذا يلخص نظرة مجتمعنا العربي للفنان، انه لا يتعدى كونه “طريش” مع الاحترام الشديد لمهنة الطريش..

وبالتالي هذه الرؤية تنعكس على تقدير الفنان لذاته وطموحاته وبالتالي عمله.. لم يتعلم الفنان في بلادنا ان يكون فناناً، وحتى تعليم الرسم عندنا قائم على النقل، وعلى عدم تجاوز الخط الخارجي أثناء التلوين، وكنا نعاقب على الاستسلام للخيال في رسوماتنا في حصص التربية الفنية في المدارس كافة، كانت المعلمة تستهزئ بالطفل/ة أمام الصف كاملاً، ترفع اللوحة لتعرضها على الفصل وتصيح بصوت عالٍ “عمركم شفتوا شجرة لونها بنفسجي؟! أو أزرق؟! عمركم شفتوا إنسان رقبته طويلة بهذا الشكل؟! عمركم شفتوا يد بهذا الطول؟! عمركم شفتوا انسان طاير هيك فوق الأرض؟!..

أنزله إلى الأرض أكثر.. ويضحك الجميع، ومع ضحكاتهم تذبل بذرة الخيال في أعماق الطفل/ة وتشده ضحكاتهم إلى الأرض بعد أن كان محلقاً في السماء.. أنزله إلى الأرض.. لينزل هذا الطفل ليس إلى الارض وحسب، بل تجعلة يدفن نفسه وخياله إلى ما تحت الأرض في شعور بالدونية والعجز.. من منا يجرؤ على الخيال في مجتمعات القمع والعازة، ومن منا يجرؤ أن يفاوض الناشر على أجر يكافئ الجهد المبذول، عدا عن الفكرة الإبداعية في العمل الذي يقدمه، في الوقت الذي ينتظر فيه الناشر إجابة على سؤال “كم رسمة تستطيع أن تنجز في اليوم؟” وهل يبق بعد هذا السؤال أي خيال؟!

الخيال يحتاج إلى رعاية طويلة منذ الطفولة في مجتمعات خصبة لديها الرغبة فعلا في التغيير والتقدم.. وهو نتاج عوامل عديدة مجتمعة معا وتتشكل عبر سنوات طويلة من التنشئة، وليس مجرد قرار يتخذه الانسان/أو الرسام في لحظة امساكه للقلم والريشة للبدء برسم كتاب جديد..

والحديث يطول.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.