اجتماع فكر مختارات مقالات

الوباء من كامو إلى فوكوياما

الوباء من كامو إلى فوكوياما

بقلم/ علي حسين

لم تعد مسألة الوجود الانساني مقتصرة على نصوص الروائيين وقصائد الشعراء وتنظيرات الفلاسفة والغازهم في الوجود والعدم ، وانما اصبح الوجود الانساني موضوعا يناقش على المائدة في البيت وسط حالة من الذعر اصابت البشرية بعد انتشار فايروس كورونا . لقد اعتلى مصطلح الوجود منصة الجدال اليومي منذ اسابيع ، فالمجتمع الانساني الذي جعل من نفسه حارسا للقنبلة الذرية ، يجد نفسه اليوم مسؤولا عن حياته وموته واصبح عليه كما كتب جان بول سارتر قبل اكثر من نصف قرن أن ” يقرر موافقته على الحياة ” ، فلم يعد مصير الانسان أو مصير مجموعة من الناس هو الذي نضعه في الميزان ، وانما مصير الانسانية جمعاء . ووجود الانسانية يتوقف على الفعل الصحيح الذي نتخذه في هذا الشأن .

وعندما نتحدث عن وجودنا فاننا نقصد به وجود البشرية ، فالقضية لم تعد مصير الانسان الفرد كما في روايات دستويفيسكي ، فالانسان اصبح مثلما كان يأمل ديكارت ، سيدا ومالكا للطبيعة . لكن الى الحد الذي اصبح فيه يستطيع ان يمحو كل اثر للحياة ، يكتب الفرنسي غابريل مارسيل :” اليوم يجد الناس انفسهم في مواجهة واقعة لم يكن في وسع احد ان يتخيلها ، انهم يعلمون ان في استطاعتهم تدمير الكون ” .

لقد وضع التقدم العلمي امام الانسان تلك المشكلة التي اوجدتها امكانياته ذاتها ، وهي : ان وجودالانسان يعتمد على القرار الذي يتخذه هو . وقد جعلت كل فلسفة حية مهمتها القاء الضوء على هذا القرار ، ووجد المفكر المعاصر ان هذه المشكلة تمثل بالنسبه له معيارا يقيس به قيمة الدور الذي يلعبه في مشكلة الحياة ، يطرح يوجين يونسكو هذا السؤال :” منذ اية لحظة تُركنا لمصيرنا ولم نعد متفرجين ومشاركين ؟ لقد تركنا لانفسنا ، لعزلتنا ، لخوفنا فولدت المشكلة : ما العالم ؟ ومن نحن ؟ .

اليوم يجد الكائن المستضعف نفسه امام عبث من لون جديد .. انه سيزيف العصر الحديث ، يصارع المستحيل ، ويحاول ان يقاوم الاوبئة التي ما تنفك عن التجديد . كان سيزيف في الاسطورة الاغريقية يصارع الالهة . بيد ان سيزيف اليوم امام آلهة جديدة يجد نفسه امامها ضعيفا ، خائفا ، لقد كان سيزيف الاسطورة يصارع قانون الجاذبية ، اما نحن فنصارع اليوم قانون القدر والفناء .

لعل سؤال ” كيف يحيا الانسان ؟ ” هو السؤال الذي ظل يطرح على مدى الازمنة المختلفة .. في الفلسفة القديمة كان السؤال الذي طرحه سقراط هو كيف يحيا الانسان على طريقة معينة لمقاربة الحياة ، ما هو المسار الذي يجب ان تاخذه الحياة الانسانية ؟ ما هي افضل المساعي للكائن الانساني لكي يتعايش مع الكون ، ، وبحلول القرن الثامن عشر طرح إيمانويل كانط سؤالاً مختلفا . فلم يعد الاهتمام منصبا على كيف يجب أن يحيا الانسان ، وانما على الشكل الذي يجب أن تاخذه حياة الانسان ، وصار السؤال هو : كيف يجب ان يفعل الانسان ؟ لان حياة الانسان لن تكون اكثر من محصلة افعاله ، وفي العصر الحديث افسح المجال لسؤال ثالث وهو : هل ان نهاية الانسان باتت قريبة ؟ ، انه عصر نهاية الانسان كما كتب فرنسيس فوكوياما عام 2010 في كتابه ” نهاية الانسان ” الصادر عام 2002 ، وهو الكتاب كشروع مقال كتبه عام 1999 لمجلة ناشيونال جغرافيك استعرض فيه العشر سنوات التي مضت منذ ظهور كتابه ” نهاية التاريخ ” ، ويبدا فوكوياما كتابه ” نهاية الانسان ” بالعبارة التالية التي يقتبسها من الروائي الدوس هكسلي :” نهاية الإنسان هي المعرفة ، لكن شيئا واحداً لا يمكنه ان يعرفه : انه لا يستطيع ان يعرف ما اذا كانت المعرفة ستقتله ام سُيقتل ، نعم ، أنه لا يستطيع ان يعرف ما اذا كان قد قُتل بسبب المعرفة التي اكتسبها ام بسبب المعرفة التي لم يكتسبها ، والتي كانت لتنقذه لو انه عرفها ” .

ويؤكد فوكوياما انه اثناء تفكيره فيما ظهر من ردود على كتابه نهاية التاريخ ، بدا له ان الجدل الوحيد الذي لايمكن انكاره ، هو ان التاريخ لا يمكن ان تكون له نهاية إلا اذا كانت للعلم نهاية .. اننا اليوم نعيش في بيئة جديدة تماما لم تكن موجودة منذ قرن مضى ، فهل علينا ان نتحور لنلائمها .في ” نهاية الانسان ” يصر فوكوياما ان العلم والتكنلوجيا يمثلان موطن الهشاشة في الحضارة الغربية ، لأن كل رموز الحضارة تحولت الى اسلحة شريرة ، مثل ظهور السلاح البيلوجي ، الذي يدعونا الى تحكم سياسي اكبر في استخدامات العلم .

في كانون الثاني عام 1941 ، بدأ البير كامو العمل على رواية عن فيروس ينتقل من الحيوانات إلى البشر ، حيث ينتهي به الأمر الى تدمير نصف سكان مدينة ” وهران ” على الساحل الجزائري . يقول الفيلسوف البريطاني آلان دو بوتون ان ان رواية “الطاعون” التي نُشرت عام 1947 كانت ولا تزال أعظم رواية أوروبية وضعتنا امام حقيقتنا .

لكتابة رواية الطاعون قرأ كامو عن الموت الأسود الذي قتل ما يقدر بنحو 50 مليون شخص في أوروبا في القرن الرابع عشر ، والطاعون الإيطالي عام 1630 ، والطاعون العظيم في لندن عام 1665 وكذلك الأوبئة التي دمرت المدن في شرق الصين خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

لم يكن كامو ينوي الكتابة عن طاعون واحد ، ولم تكن الرواية حكاية مجازية عن الاحتلال النازي لفرنسا ، انها صرخة تنبهنا الى أن جميع البشر عرضة للإبادة العشوائية في أي وقت ، بسبب فيروس ، أو تصرفات شخص معتوه .

في رواية كامو لا يريد اهل وهران تصديق ان الطاعون فتك بمدينتهم ، حتى عندما يموت ربع سكان المدينة تقول إحدى شخصيات الرواية : “من المستحيل أن يكون الطاعون ، والجميع يعرفون أنه اختفى من الغرب”. ويكون الجواب على لسان شخصية اخرى: ” نعم ، الجميع عرف ذلك ، باستثناء القتلى” .

يكتب دو باتون :” بالنسبة لكامو ، عندما يتعلق الأمر بالموت ، لا يوجد تقدم في التاريخ ، ولا مفر من ضعفنا. البقاء على قيد الحياة كان دائمًا وسيظل دائمًا حالة طوارئ ، إنها ( حالة كامنة ) لا مفر منها. الطاعون أو لا يوجد طاعون ” .

في ذروة الطاعون ، عندما يموت 500 شخص يوميا ، يلقي رجل الدين خطبة ، يؤكد فيها أن الطاعون عقاب من الله على الفساد. لكن الطبيب يشاهد اطفالا يموتون ، وهم لم يرتكبوا الخطايا ، فالمعاناة موزعة بشكل عشوائي .

بعد أكثر من عام ، سينحسر الطاعون. يحتفل سكان المدينة. لقد انتهت المعاناة ، وستعود الحياة الى طبيعتها ، لكن البير كامو يكتب :” أن هذا لا يمكن أن يكون قصة انتصار نهائي، يمكن أن يكون فقط ما يجب القيام به مرة أخرى ضد هذا الإرهاب.” ويواصل :” الطاعون لا يموت أبداً .. تنتظر بصبر في غرف النوم والأقبية لليوم الذي ستقوم فيه الحياة مرة أخرى بإحضار فئرانها وإرسالنا للموت ”

ظل كامو يكتب أن “كل شخص في داخله ، هذا الطاعون ، لأنه لا يوجد أحد في العالم ، لا أحد ، محصن”.

في مقال نشره مؤخرا يكتب آلان دو بوتون عن فايروس كورونا :” عندما تعيش في العالم الحديث ، فأنت تعتقد ، بشكل أساسي ، أن العلم والتكنولوجيا قادران على التغلب على الطبيعة. هذا هو الاعتقاد العميق الذي يقوم عليه عصر التنوير ، ونحن ، الذين نعيش في هذا العالم مقتنعون بأننا قد غزوا الطبيعة . بأننا الأنواع السائدة ، المفترس الأعلى و أن البيئة تخضع لسلطتنا. في الواقع نحن نشعر بالسيطرة على بيئتنا لدرجة أننا نسمح لأنفسنا بالشعور بالأسف تجاهها ، حتى عندما ندمرها ” .

عندما كتب الفيلسوف الروماني سينيكا من أننا يجب أن نبدأ كل يوم من خلال التفكير بعمق في كل عذاب يمكن أن تلحقه الحياة بنا، فانه طالبنا بأن نفكر في كل شيء ، ونتوقع كل شيء. ولهذا يطالبنا دو بوتون بان نتفحص الوباء مثل سنيكا ، فالوباء وهو يطوق العالم ، سيجعلمنا ندرك جيدا ان العالم الذي بنيناه ينهار امام اعيننا .

ويرد دو بوتون على سؤال : ما ذا ستفعل الفلسفة امام الوباء ؟ علينا ان نتمسك بطريق مونتاني الذي قال ان الشك هو الطريق الى المعرفة: “يا لها من وسادة جيدة شك بالنسبة لرأس متوازن بشكل جيد.” هذا ما يتعين علينا القيام به. النوم على وسادة الشك. هذا هو نوع الفلسفة التي نحتاجها الآن. سقول البعض حتما أنه مجرد فيروس صغير ، وأن كل شيء سيكون على ما يرام ، يجيب دو بوتون : هذا صحيح.. ستبقى البشرية ، لكنها عليها ان لاتنسى وصية مونتاني ” النوم على وسادة الشك ” .. ويتساءل دو بوتون : ماذا سيحدث؟ أين سنكون في العام القادم ؟ يكتب :” نحن نؤمن بالاستمرارية وعدم الاستقرار. نحن ندرك الحقيقة التي تقول : غدا سيبدو اليوم” ويضيف :” سنستمر في الاعتقاد بأننا خالدون ، ونتجول في العالم ، وننخرط في شؤوننا، ولكن في الوقت نفسه ، نحن بحاجة إلى التمسك بجانب آخر أيضًا: جانب مسؤول عن ما ينتظرنا ”

ويؤكد دو بوتون ان الفلسفة يمكن أن تساعدنا في النظر إلى العالم :” نحن الأنواع الوحيدة القادرة على فهم الكون ، حتى ولو بطريقة محدودة ، وأعتقد أننا سنفعل جيدًا للالتزام بهذا المنظور ، إذا تمكنا من تحرير أنفسنا من نفسنا ، فسوف نكون قادرين على تبني وجهة النظر هذه ” .

فيما يجيب فرنسيس فوكوياما وهو يقضي فترة الحجر المنزلي في بيته في سان فرانسيسكو على سؤال :” ما الذي حدث للديمقراطيات الليبرالية لتقاوم فايروس كورونا بشكل سيء ؟ :” إن للوباء جانبا مشرقا لأنه أخرج العديد من الدول الديمقراطية من حالة الرضا عن النفس، وكشف عن الحاجة إلى المزيد من الاهتمام بالصحة العامة والمزيد من الاستثمار في الخدمات الاجتماعية.

كيف يمكن ان نحيا ؟ يحلينا دو بوتون الى الرسام الفرنسي هنري ماتيس المولود 1869 ، والذي عاش حياة مليئة بالمعاناة ،لكنه اصر على ان يرسم الامل :” لوحاته سعيدة للغاية ، والشمس مشرقة ، والأشجار تتفتح ، والناس يبتسمون ” يتذكر ماتيس انه عاش طفولة بائسة وفقيرة ، لكن علبة الالوان التي اهدتها له امه بعد شفاءه من المرض غيرت قدره .. كانت العلبة هي الامل الذي كان يحتاجه في ذلك الوقت .

هل نحن اليوم بحاجة إلى أمل المشنقة مثلما يقول دو بوتون:” نحن جميعًا نذهب إلى المشنقة ، ولكن على طول الطريق توجد ثمار رائعة وهناك طفل لطيف ، ربما سنأكل الرمان. ربما سننظر إلى السماء. كل هذه الأشياء لا تزال ممكنة. أشياء جميلة ، مليئة بالأمل. يجب علينا أن نعتز بهم أكثر من أي وقت مضى ، لان هذا ما يجعل حياتنا تستحق العيش. بذور الرمان. ابتسامة طفل عمره 3 سنوات. شاطئ البحر. هذه هي الأشياء التي تستحق التمسك بها في هذه الأوقات ” .

في ايام الحجر المنزلي يقضي وريث مدرسة فرانكفورت الالماني يورغن هابرماس وقته أمام جهاز الحاسب الآلي متأملا في علوم وتاريخ الفكر يخفف وطأة الحجر عليه. ، يؤمن بأن العالم سيعيش في مأزق ما بعد الديمقراطية.

في خمسينيات القرن السادس عشر ، كتب الفيلسوف وعالم الرياضيات الفرنسي بليز باسكال ان : ” السبب الوحيد لعدم رضا الإنسان هو أنه لا يستطيع البقاء بهدوء في غرفته.”

يعترف دو بوتون أن الاضطرار إلى البقاء في غرفة واحدة نوع من التعذيب النفسي ؟ : ” ما الذي يمكن أن يكون أكثر معارضة للروح البشرية من أن يسكن أربعة جدران ، عندما يكون هناك كوكب كامل لاستكشافه؟ ، لكن فترة من التفكير الهادئ في غرفتنا تخلق مناسبة يمكن للعقل أن يفهم نفسه بشكل صحيح ” .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.