مجتمع مختارات مقالات

سلافوي جيجيك.. ماركس وكورونا وما بينهما

سلافوي جيجيك.. ماركس وكورونا وما بينهما

بقلم/ علي حسين

سلافوي جيجيك الذي دخل عامه 71 قبل اشهر قليلة ، مشغول البال هذه الايام بكارثة كورونا ، ومنذ انتشار الفايروس ونجم الفلسفة في الإعلام الغربي، يناقش الازمة التي يمر بها العالم المعاصر ، وقد صدر قبل ايام آخر كتبه بعنوان ” الجائحة .. كوفيد 19 يهزالعالم ” – ترجمه الى العربية محمد الضبع – في الكتاب الذي لم يصلنا بعد ، لكننا قرأنا بعضا من مقالاته التي نشرتها الصحف . يؤكد جيجيك ان وباء كورونا الذي وجه ضربة قاضية الى الراسمالية ، سيعيد اختراع شيوعية جديدة ، فالوباء حسب جيجك سيعجل بزوال الراسمالية الحالية مثلما سينهي فكرة الدولة القومية .

وكان جيجيك قد حذر قبل ثلاث سنوات من كارثة ستصيب العالم ، ففي كتاب اصدره عام 2017 بعنوان ” شجاعة اليأس” يكتب:” ان الشّيء الحاصل الآن، والأكيد، والذي يمكن التنبؤ به من قراءة متأنية لتطوّرات الأحداث هو أننا نقترب فعلا من كارثة جديدة، قد تكون حربا جديدة أو أزمة أخرى، لكنها ستكون هذه المرّة أكثر تعقيداً. سنجد أنفسنا في مواجهة أزمة شاملة. ما يتراءى في الأفق هو أزمة شديدة، سنتورّط فيها، ستكون أكثر شراسة، لكن لا أحد مستعدّ لتقبل التّعامل مع الوضع.. العالم يسير ويفكر -تقريباً- بطريقة فوكايامية. هذه الطّريقة لن تحمل حلاّ، هي أشبه بالمهدئات ”

وفي كتاب ” شجاعة اليأس يصر على ان الفكرة الماركسية من ان غاية الفلسفة هي تغيير العالم وليس تفسيره ، هي ما نحتاج اليه اليوم ، ووفقا لجيحيك ، فان الدرس المستخلص من الاحداث التي مرت علينا خلال القرن الماضي ” هو أنه يجب علينا تجميع قوانا لتحمل اليأس ” ، لكن رغم هذا اليأس فان الشجاعة الحقيقية هي الاعتراف بأن الضوء في نهاية النفق يأتي من مصباح من قطار آخر يقترب ، وعلينا أن ندرك أن التغيير الأساسي يمكن أن يكمن في زاوية اخرى من تفكيرنا. .ويتساءل صاحب “سنة الاحلام الخطيرة “: “هل بقي وقت ، أو لاحت فرصة لتغيير جذري قبل أن يصدمنا القطار؟” .

دائما ما يثار سؤال مهم : هل ستنتهي الراسمالية في يوم من الايام ، وتتحول البشرية الى نظرية اقتصادية وسياسية جديدة ؟ ولعل السؤال الاهم : اين تقف الراسمالية اليوم ؟ اتذكر انني عام 1990 اطلعت على كتاب للدكتور فؤاد مرسي وهو واحد من ابرز الماركسيين العرب ، ساهم بتاسيس الحزب الشيوعي المصري في الخمسينيات ودرس الاقتصاد في جامعة السوربون ، الكتاب كان بعنوان ” الراسمالية تجدد نفسها ” وعندما شاهدت الكتاب قبل ان اقرأه ، سألت نفسي هل يعقل ان مفكرا ماركسيا قرات له من قبل كتاب ” الاشتراكية ” اكد فيه ان الاشتراكية اصبحت حتمية هذا العصر بالمعنى الحتمي للفلسفة ، ان يخرج علينا ليقول ان الراسمالية استطاعت ان تجدد نفسها ؟ ، يؤكد فؤاد مرسي في كتابه ان الراسمالية استطاعت ان تجدد قواها بفضل الثورة العلمية والتكنلوجية التي مكنتها من ان تتكيف مع الاوضاع الجديدة في العالم ، وان التطور التكنلوجي استطاع ان يصحح مسار الراسمالية اليوم ، لتتغير من حيث اشكالها واساليب حركتها .

في العام 2013 ظهر على واجهة المكتبات في فرنسا كتاب بعنوان ” رأس المال في القرن الحادي والعشرين ” كتبه اقتصادي فرنسي اسمه ” توماس بيكيتي” سرعان ما اصبح الكتاب الأكثر مبيعا ، ، فالموضوع الذي طرحه توماس بيكيتي هو ” المساواة بين البشر ” ، حيث يقدم لنا في كتابه احصاءات تدل على انه طوال مدة تزيد على اكثر من 200 عاما اصبحت المجتمعات تبتعد اكثر فاكثر عن تحقيق المساواة ، والسبب يرجعه بيكيتي إلى : ” أن العائد على رأس المال بكل مصادره وأنواعه – يميل تاريخياً إلى الزيادة بنسبة تفوق معدل النمو الاقتصادي في شكل عام ” . وهذا يؤدي حسب بيكيتي إلى حصر الثروات بيد فئة قليلة حيث تصبح هذه الثروات أعلى من معدل نمو الدخل القومي ، والدخل الذي تحصل عليه الفئات الأخرى.وان هذا الفارق الهائل سيؤدي بالنتيجة إلى توسيع هوة اللامساواة بين المداخيل والثروة فينزلق العالم إلى بؤس وعنف وحروب. قبل بيكيتي باكثر من سبعين عاما قبله، كان الأميركي فريدريك جيمسون أهم ناقدي الرأسماليّة المعاصرة قد اعترف أيضاً بالإمكانيّة اليوتوبيّة للكوارث الكبرى، حين تجد البشريّة نفسها في مواجهة حقيقة أن الجميع يبحر في وجه العاصفة في ذات المركب المثقوب..وكتب جيمسون :” أبتسم دائما عندما أسمع الناس يقولون إن الرأسمالية انتصرت في حين أن الماركسية ماتت، أبتسم لأن الماركسية تحليل للرأسمالية ” .

وفي العام نفسه 2010 اصدر سلافوي جيجيك كتابا بعنوان ” العيش في الازمنة الاخيرة ” سرعان ما احتل قائمة الكتب الاكثر مبيعا ، وفيه يناقش فكرة فرويد عن الغضب اوالسخط من الثقافة :” لقد مر عقدان من الزمن على سقوط جدار برلين ولم تات الراسمالية بالمدينة الفاضلة التي أمِل الناس بها ” ولم تسلم الاشتراكية ايضا من جيجيك فهو يراها فاشلة ويصفها مثل الرجل الذي يحلم بالفرار مع عشيقته ويُصدم عندما يحصل على فرصته بانها لم تجعله انسانا سعيدا .ويقول هناك فوضى قادمة في الكون ، لكننا لا نريد الاعتراف بانها ستحدث .

ربما تبدو حياة سلافوي جيجيك ، وكأنها قصة ” شيوعي بطريقته الخاصة ” عاشق لماركس ومحب لكتابات جاك دريدا الفيلسوف الذي ظل يؤمن ان المجتمعات الديمقراطية الغربية الحالية عاجزة عن التامل الذاتي ، ويؤمن بنظرية فرويد في التحليل النفسي ، ولد في الحادي والعشرين من آذار عام 1949 في ليوبلينيا التي كانت ضمن الدولة اليوغسلافية لعائلة من الطبقة المتوسطة ، الاب موظف ، والام تعمل محاسبة .. في مراهقته سيعثر في مكتبة والده على كتب في الفلسفة والاقتصاد ، اكثر ما لفت انتباهه احتفاظ والده في مكان خفي بالمكتبة بمؤلفات سيجموند فرويد ، وقد حذرته والدته من الاقتراب منها .. وكانت اول محاولة تمرد على العائلة حين قرر ذات مساء ان يخطف احد كتب فرويد ليقرأه في ليلة كاملة ، في المدرسة الثانوية تستهويه كتب البنيوية ، وسيهديه احد الاصدقاء كتابا لهيدغر الذي كان من الممنوعات في يوغسلافيا آنذاك ، في الجامعة يتعرف على كتابات جاك دريدا والتي ستدهشه فيها قدرة هذا الفيلسوف على ان لايكون قابلا للتلخيص ، وان لايحصر نفسه في تعريف واحد ، وفكرة واحدة. عام 1967 ينشر أول ترجمة لنص جاك دريدا إلى السلوفينية ، يكتب ان دريدا علمه ان المفكر عليه إلا يكون قابلا للتلخيص ، ولهذا نجد سلافوي جيجك ينظر الى الفلسفة على انها سؤال لا ينتهي بتعريف واحد ، وفكرة واحدة .

عام 1971 يتخرج من الجامعة ، وكان قد درس الفلسفة وعلم الاجتماع ، بعدها قرر ان يقدم رسالة ماجستير عن الفلسفة الفرنسية المعاصرة من خلال اعمال دريدا وفوكو ، لكن الرسالة سببت له المتاعب لانها تتناول فلاسفة ” مشتبه بهم أيديولوجي ” .

يعمل مترجما ، ويصبح جزءاً من مجموعة تؤسس جمعية باسم “نظرية التحليل النفسي” ، يحصل عام 1981 على شهادة الدكتوراه في الفلسفة ، وبعد وفاة الرئيس اليوغسلافي جوزيف تيتو ينشط سياسياً، ويصبح احد الداعمين لاستقلال سلوفينيا من يوغسلافيا ، عام 1990 يرشح نفسه لمنصب رئيس سلوفينيا لكنه يخسر المنصب .

ينشر اول كتبه بالانكليزية عام 1989 بعنوان ” الهدف السامي للايديولوجيا ” وفيه يحاول ان يقدم مراجعة للتعريف الكلاسيكي للإيديولوجيا حيث يطرح فكرة مفادها “إنهم يجهلون عواقب أعمالهم ومع ذلك فهم يمارسونها”. فالبشر ينساقون بسذاجة مع مسار الرأسمالية، حيث الاساس

أن تكون مستهلكاً، متسوقاً، تأكل وتمارس الجنس ، وإن لم تفعل هذه الأشياء، فأنت شخص غير محظوظ.

بعدها تتوالى كتبه التي بلغت ما يقارب الثلاثين كتابا ابرزها ” هيغل وظل المادية الديالكتيكية ” ” سنة الاحلام الخطيرة ” ” العنف .. تاملات في وجهه الستة ” وكتاب ” كيف نقرا جان لاكان ” ” مرحبا في صحراء الواقع ” ” لينين في عام 2017 ” ” بداية كمأساة واخرى كمهزلة ”

في كل كتبه هناك مناقشات لهيغل وماركس وكانط يضاف اليهم سيجموند فرويد ، حيث يرى جيجيك ان التحليل النفسي يمكن ان يشحذ ادواته الماركسية النظرية ، فالماركسية تهدف الى تحسين المجتمع والتحليل النفساني يهدف الى تحسين احوال مرضاه. ، وهكذا يجد ان أهداف التحليل النفساني تلتقي اهداف الماركسية لأن كليهما يهتم بالحيز الاجتماعي باعتباره باعتباره الحيز الاكثر فاعلية للتحليل ..يضاف الى هؤلاء الاربعة سنجد كافكا حاضرا مثله مثل افلام هتشكوك ، مع سجالات لاكان ، واحالات إلى فاغنر وموتزارت ، وحضور ساحر للاخوة كيركغارد وسبينوزا .

في بداية انتشار فايروس كورونا كتب سلافوي جيجيك مجموعة من المقالات ، توقع فيها ان الوباء سيغير شكل العلاقة مع الفضاء العام مثل الوجود في الحدائق والجلوس على المقاعد العامة، وتجنب احتضان الناس أو مصافحة أيديهم، وأننا قد نصبح أكثر حذراً بشأن الإيماءات العفوية مثل لمس الأنف أو فرك العينين.

ويعتقد أنه ربما سيتم اعتبار أن الواقع الافتراضي هو فقط المكان الآمن في هذا العالم على الرغم من أنه فضاء مليء أيضاً بالفيروسات، وربما يقلّ التنقل بحرية وبلا خوف، وقد لا يتحقق إلا للأغنياء في مساحة مفتوحة على الجزر التي يملكونها

يرى جيجيك أنه وكما هو الانتشار المستمر لوباء كورونا المستجد، فإن أوبئة واسعة من الفيروسات الأيديولوجية التي كانت راكدة في مجتمعاتنا بدأت في الانتشار؛ وعلى رأسها تناقل الأخبار المزيفة، ونظريات المؤامرة، وانفجارات العنصرية، ومظاهر الطبقية بأبشع أشكالها.

ويقول لعل الجائحة تفيد في نشر فيروس أيديولوجي آخر أكثر فائدة وهو فيروس التفكير في مجتمع بديل خارج الدولة القومية، مجتمع يحقق نفسه بأشكال التضامن والتعاون العالميين .

يعود جيجيك في كتابه إلى الموضوعات التي تناولها في عدة مناسبات؛ مثل ما هي الطرق التي تستجيب بها الحكومات للأزمة؟ وكيف سيواجه الانسان مسائل مثل العزلة والحجر ؟ .

وعبر جيجيك عن اعتقاده بأن ازمة كورونا ستعطي معنى جديدا للمجتمع، وسينبت منها فكر شيوعي جديد بعيد كل البعد عن تلك الشيوعية التاريخية، ويعتقد أن الحاجة للتعاون والتضامن العالمي للتغلب على الأزمة الصحية بمثابة اكتشاف ثوري :” “نحن نعيد اكتشاف حاجتنا لبعضنا بعضا، أشخاصا وشعوبا ” ، ويؤكد جيجيك أن فكرته عن الشيوعية ليست مجرد حلم م، معتبرا أن انتشار الوباء سيعطي قوة دفع لتضامن جديد : ” سيكون اختبارنا هو في بناء طريقة جديدة للحياة. لكن على الأشخاص أن يستعدّوا فالأمور بأيدينا الآن، لا ينبغي أن ننتظر حتى انتهاء الأزمة”.

يكتب جيجيك إنه على الرغم من أن المواطنين الآن أكثر عزلة، فإنهم باتوا أكثر اعتمادًا على بعضهم بعضا، كما يعيشون ضرورة متناقضة تتمثل في إظهار التضامن من خلال عدم الاقتراب من بعضهم بعضا، ولم يخف جيجيك تفاؤله بأن يحدث هذا السلوك تغييرا عميقا ويستمر حتى بعد انقضاء الأزمة.

وبخصوص ما يمكن تعلمه من هذه التجربة، يرى الفيلسوف الذي يوصف بانه ” إلفيس برسلي الفلسفة ” بمظهره البسيط وتشيرته الملون وطريقة كلامه وقصة شعره التي تقربه من الهيبيين ، أن التكلفة النفسية ستكون باهظة الثمن، كما تخلق العزلة أيضًا أشكالًا جديدة من جنون الارتياب تتجلى في العديد من نظريات المؤامرة على شبكات التواصل التي لا تتوقف عن تكرار أن دولا مثل الولايات المتحدة والصين هي أصل الفيروس، لذلك ينبغي أن نكون أكثر حذرا.

رغم ان كتابات جيجيك تهتم بالفلسفة والسياسة ، إلا انها دائما ما تولي قضية البيئة اهتماما خاصا حيث يعتبر قضية البيئة، واحدة من أهم قضايا النضال السياسي :” نحتاج لأسلوب تفكير جديد تماماً، بدلاً من أفكارنا الحالية حول الطبيعة”. وهو يرى أن الأيديولوجيات الرومانسية والشعبوية لا تزال تحكم الكثير من الأفكار حول الطبيعة، حيث ينظر الى الطبيعة في الأيديولوجيات باعتبارها منسجمة وخيرة، وتظهر الأرض باعتبارها “الطبيعة الأم” التي ترعانا وتغذينا وتعاملنا بلطف. أما الحقيقة التي لا تريد ان تعترف بها هذه الأيديولوجيات ، هي أن “التوازن الطبيعي” للوجود الحيوي للأرض قد تضرر بشدّة، بالقمامة السامة وارتفاع الحرارة في العالم : ” بسوء استخدامنا للمصادر الطبيعية فإننا نستدين من المستقبل ولذلك علينا أن نتعامل مع كرتنا الأرضية باحترام ” .

سلافوي جيجيك الذي ظهر في آخر حوار معه ليؤكد بأن لديه كل أعراض كورونا لكن نتائج تحليله سلبية، قال انه يفتقد متعة الذهاب الى محال بيع الكتب :” في المكتبة تذهب للبحث عن شيء ما وكثيرا ما تعود بشيء ، فلا يمكن استبدال شيء بالمكتبات، ومن الخطير جدا أن تدفعها الأزمة إلى أن تجثو على ركبتيها ” .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.