تقنية مختارات مقالات

التعليم الالكتروني:عملية غير مكتملة الأركان

التعليم الالكتروني في فلسطين:
عملية غير مكتملة الأركان

د. محمد مروان العشي

محاسبة وتمويل

انتقلت الكثير من الجامعات على حين غرة ودون سابق انذار في مارس 2020 إلى تبني آليات التعليم الالكتروني، بعد أن كان أغلبها يمارس التعليم الوجاهي التقليدي من خلال القاء المحاضرات في داخل القاعة  والذي قد يحدث فيه أحياناً شكلٌ من أشكال النقاش. والسؤال المطروح هنا، والذي يتكرر لدى الكثير من الأكاديميين، هل نجحنا أم فشلنا؟ هل نملك حق الاستمرارية بالتعليم الإلكتروني؟ هل التعليم الالكتروني يعتبر بديلاً عن الوجاهي؟ هل يمكن أن تستمر الجامعات التقليدية بمناهجها؟ ..الخ. وستجد هناك 1000 سؤال وسؤال تحتاج إلى دراسة وإجابة. وفي هذا المقال عرض لتجربة شخصية في ممارسة شكل من التعليم الالكتروني خلال فترة الأزمة، والتي لم تنته بعد حتى لحظة كتابة المقال. وهي محاولة لنقاش بعض الأسئلة، وقد لا تكون هناك اجابات.

هل تتوفر البنية التحتية اللازمة لممارسة التعليم الالكتروني؟

وللإجابة عن هذا السؤال، دعنا نحدد ما يلزم لذلك ومدى توافره:

أولاً: من ناحية الأنظمة والأدوات والتجهيزات

i. تحتاج الجامعات لنظام الكتروني لإدارة العملية التعليمية، ، مثل نظام الموودل (Moodle) مفتوح المصدر، وهذا كان متوفراً لدى بعض الجامعات ، فكان من السهل بالنسبة لها استخدامه أو إمكانية استخدامه.

ii. تحتاج الجامعات لأجهزة سيرفرات وأنظمة للتواصل مع المستفيدين، وهو ما كان يشوبه عدد من المشاكل التقنية إما لعدم التوافر أو لتقادم الأجهزة.

iii. تحتاج الجامعات لبرمجيات تسجيل وتصوير المحاضرات؛ لعرض المادة الأكاديمية وتقديمها للمستفيد، وفي هذه الناحية هناك الكثير من البرمجيات المنتشرة والتي تساعد في ذلك، ولكن نتيجة الأزمات المالية لم تساهم الجامعات بإيجاد نسخ مرخصة من هذه البرامج. وكذلك بالنسبة لبرامج بث المحاضرات المباشرة.

iv. كما تحتاج العملية التعليمية الالكترونية لأدوات مساندة لتسهيل مهمة المحاضر مثل المؤشر الالكتروني أو اللوح الزجاجي ..الخ، وهذه أدوات أيضاً لم تساهم الجامعات بتوفيرها بشكل فعال للمحاضرين.

v. يحتاج المحاضر/ المستفيد إلى جهاز حاسوب حتى يستطيع ممارسة التعليم الإلكتروني، وهو ما قد يفتقده البعض في منزله.

vi. بما أن المحاضر سيقوم بنقل المعرفة الكترونياً والمستفيد سيقوم باستقبالها الكترونياً فكلاهما يحتاج الوصول إلي خدمة انترنت سريعة، وهو ما كان مصدر شكوى لدى عديد من المحاضرين/ المستفيدين وقت الأزمة، إما بسبب المزودين أنفسهم أو أن اشتراكاتهم لا تسمح.

ثانياً: من ناحية الكادر البشري

وهو ينقسم إلى جزأين، الأول ويتمثل بالمحاضر، أما الثاني فهو يتمثل في المستفيد

i. أما ما يخص المحاضر فهو ما يلي:

(1) نظام إدارة التعليم الالكتروني. وفي هذا أمكن للجامعات التي استطاعت التعامل مع الأنظمة المتوفرة أن تقدم التدريب اللازم للأكاديميين.

(2) وكذلك فيما يخص برمجيات التسجيل والأدوات المساندة، فقد أمكن التعامل معها من خلال التدريبات الوجاهية أو التسجيلات المعدة من قبل المراكز المختصة داخل الجامعات أو من خلال الفيديوهات المنشورة على المواقع المختلفة مثل اليوتيوب.

(3) لكن المشكلة الحقيقية المتمثلة في الكادر البشري هي مدى استعداده وقبوله وتأقلمه مع هذه الآليات الجديدة، قد يكون من الواجب ضرب جرس الانذار فيما يخص ذلك، فهناك عدد من الأكاديميين لم يحاولوا أو لم يستطيعوا المحاولة، وذلك قد يكون لعدة أسباب منها: (ا) عدم الاقتناع الشخصي بالتعليم الالكتروني أو (ب) عدم مواكبتهم لأدوات التكنولوجيا الحديثة بالإضافة إلى (ج) عدم امتلاكهم أدوات تربوية لنقل المعرفة بالطريقة الإلكترونية، وكذلك (د) القلة الفقيرة أكاديمياً في التعليم الوجاهي فضلاً عن التعليم الالكتروني.

ii. أما ما يخص المستفيد

(1) الجوانب التقنية، تم مناقشة بعضها أعلاه، مثل توفر الأنظمة وهو مسؤولية الجامعة، التدريب وهو ما استطاع المستفيدون الشباب تجاوز مشكلته بسهولة لتعامل أغلبهم  مع أدوات التكنولوجيا الحديثة المختلفة.

(2) الوصول إلى النت مثل مشكلة كبيرة لدى عدد لا بأس به من المستفيدين والسبب الرئيس في ذلك ضعف الإمكانيات المادية للحصول على خدمة الانترنت.

(3) كما تمثلت لدى البعض مشكلة الحصول على جهاز حاسوب منزلي، إما لوجود اكثر من أخ أو الإمكانيات المادية التي لا تسمح بشرائه.

(4) تمثلت مشكلة رئيسة لدى كثير من المستفيدين في عدم التواصل المباشر مع المحاضر خصوصاً من كان يعتمد على التسجيل فقط وهو ما يضعف عملية النقاش وتبادل الافكار، وهو ما يعتبر لُب العملية الاكاديمية. وإن كان يمكن التغلب عليها من خلال المحاضرات المباشرة إلا أنها مازالت مشكلة قائمة.

هل تمت ممارسة العملية الأكاديمية بكفاءة؟

i. عملية تنظيم المحاضرات والتكليفات تحتاج إلى تنظيم ومتابعة مركزية، حيث انتشر كثير من التعارض في المواعيد خصوصاً في الفترات المخصصة للامتحانات أو تسليم التكليفات.

ii. عدد لا بأس به من الأكاديميين لا يمتلك المهارات التربوية للتعامل مع آليات التعليم الالكتروني، وعلى إدارة الجامعات متابعة ذلك وإعادة تأهيل كوادرها لمتطلبات المستقبل الإلكتروني.

iii. المستفيدون يفتقرون لمهارات تنظيم وقتهم مما يُصعب عليهم متابعة المحاضرات وتسليم التكليفات في الوقت المحدد.

iv. أيضاً في جانب المستفيدين تجد كثيراً منهم يفتقر إلى مهارات كتابة التقارير أو عمل بحث في موضوع متخصص!

هل يمكن اتمام عملية التقييم عن بعد لدى المستفيدين بكفاءة؟

تنوعت أدوات المتابعة لدى المحاضرين بين تكليفات بحل أسئلة الكتاب أو تقارير عن حالات بالإضافة إلى أسئلة بحثية وكذلك امتحانات قصيرة. والملاحظ مع الأسف الشديد عدم التزام المستفيدين أدبياً من ناحية الالتزام بعدم الغش سواءً من زملائهم أو من مصادر حلول الأسئلة أو النسخ مباشرة من النت دون المساهمة في نقاش الإجابة أو التعديل عليها أو حتى تنقيحها من الأخطاء المطبعية، وهي ظاهرة حقيقية تمثل حوالي 60% ممن سلموا التكليفات في أكثر من مساق، وهذه ظاهرة وتمثل مشكلة على أكثر من محور:

i. المحور الأخلاقي: وهو جداً مهم، بل ويوجب ضرب جرس الانذار وذلك لأنه يعكس طريقة تفكير من سيصبح مديرا/ مسؤولاً/ وزيراً/ محاضراً في المستقبل. فمن يرى أنه ممكن أن ينجح دون بذل العناية اللازمة كالأمثلة أعلاه فهو غير مؤتمن مستقبلاً في مكان عمله. وهو ناقوس خطر حقيقي يحتاج إلى ورشات عمل متخصصة لبحث سبل مواجهته والحد منه.

ii. المحور المعرفي: الناجحون بالطرق غير المشروعة لا يملكون المعرفة اللازمة في المواضيع التي اجتازوها بهذه الطريقة.

iii. بالعموم أدوات التقييم الإلكتروني قد تكون أكثر جدوى من الامتحانات التقليدية خصوصاً إذا كانت تعتمد على تقديم التقارير أو القيام بأبحاث متخصصة في موضوع المساق، ولكن دون معالجة النقطة (i) تكون العملية غير ذات جدوى حقيقية.

في الختام، التعليم الوجاهي له من يدافع عنه وهناك على الجهة الأخرى من يرى به العديد من المثالب، وكذلك عملية التعليم الإلكترونية مثل أي قضية لها عدة جوانب قد تتفق مع بعضها وتختلف مع جزء منها وجانب منها يحتاج إلى تطوير ومتابعة، كما أن المستقبل في ظل التقدم التكنولوجي والتغير في شكل أعمال الشركات يصب في صالح تبني التعليم الالكتروني، وعليه يكون من واجب إدارات الجامعات ما يلي:

i. إعادة النظر في المحتوى الأكاديمي الذي تقدمه، ومناقشة هل يصلح لمواكبة متطلبات 2030 وما بعدها أم لا.

ii. وضع خطة فورية لتأهيل كوادرها الاكاديمية لمواكبة متطلبات التعليم الالكتروني.

iii. إعادة النظر في البنى التحتية المتوفرة والعمل على تطويرها من خلال شراكات مع القطاع الخاص ومع مزودي الخدمات.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.