اجتماع مختارات مقالات

الإنسان والمجال

الإنسان والمجال

بقلم/ أ. مصطفى بن موح
باحث ماجستير في سوسيولوجيا المجالات القروية والتنمية بكلية الآداب والعلوم الانسانية سايس-فاس، المغرب.

تعد علاقة الإنسان بالمجال علاقة قديمة قدم الانسانية كلها، حيث أنه منذ بداية البدايات كانت علاقة الإنسان بالأرض هي علاقة أفقية فالأرض للجميع، والماء للجميع ايضا، ولم تكن مسألة الاستئراض وتملك الارض مطروحة قبلا، كما هو الأمر بالنسبة لتملك الماء. إلا أن سيرورة التملك للمجال بما فيه الارض والماء عرفت صيرورة وتطور من المرحلة المشاعية، التي كانت الأرض فيها ملكا للجميع، ثم تحولت الملكية للأكثر قوة le plus fort أي أن من يمتلك المجال هو الأقوى، فالأكثر ثروة le plus fortuné أي الذي في حوزته رساميل مادية أكثر، فالأكثر علائقيا وهو الشخص الذي يتوفر على علاقات كثيرة مع المريدين والأتباع والجماعات الأخرى، فالأكثر كاريزميا وهو الشخص القادر على التأثير والتحكم في الجماهير، ثم الأكثر كفاءة وهو الشخص الذي يتوفر على كفاءة التدبير والتحكيم في النزاعات. وربما نتجه إلى جيل أخر هو الأكثر وراثة أي الذي يتوفر على الموروثات (الإرث الاقتصادي، الاجتماعي، السياسي، المادي، الرمزي) وهو الذي سيقود الجماعة، وهو من سيمتلك أكثر.

ومغربيا عرفت القرية المغربية تطورا في تملك الارض والماء، وبأوجه مختلفة حسب المجالات؛ مجالات الوفرة، مجالات الكفالة ثم مجالات الندرة، ترى كيف يتم إعادة إنتاج الاستئراض مغربيا؟ وكيف يتم إعادة تملك الارض بالمجال القروي؟ وما تصورات الفلاح المغربي للماء؟ وكيف يتم تدبير، وتنظيم، واستثمار الماء بمجتمعات الوفرة، الكفاف، الندرة؟ وما سيرورة التملك للماء والأرض مغربيا؟

عرفت علاقة الإنسان القروي المغربي بمجاله دينامية وتطور حيث الملكية الجماعية للأرض هي التي كانت سائدة قبلا، لتظهر الملكية المخزنية للأرض وتسمى أيضا الأراضي السعيدة،  مع تمكن المخزن من ضم أراضي القبائل السائبة (كما ينعتها دوما) إلى ملكه الخاص، وذلك في إطار الحركات التي كان يقوم بها، كما ظهرت أيضا الملكية الزاوياتية للأرض من خلال الأراضي التي يقوم المخزن باقتطاعها لفائدة الزوايا، وذلك بعد أن تعاظم دورها في المجتمع المغربي، وبالتالي فهو يضمن ولائها وألا تنقلب عليه، هذا بالإضافة للهدايا التي يقدمها من حين لأخر من مثل الشاي والعجول والخرفان في مواسم الزوايا، وإلى جانب هذه الملكيات، هناك ملكيات الأعيان وأصحاب النفوذ ممن لهم أيادي مع المخزن، كما نجد أراضي الكيش التي كان المخزن يقوم باقتطاعها لفائدة القبائل التي تحرسه، ونجد هذا النوع من الأراضي في أحواز المدن التي تتواجد بها السلطة المخزنية، كفاس والرباط ومراكش حيث نجد الوداية  مثلا (نسبة إلى أودي)، كما نجد إلى جانب هذه الملكيات الأرضية ؛ الأراضي الجماعاتية أو السلالية والتي بدأت تعرف تراجعا مستمرا بسبب تراجع المؤسسات التنظيمية القبلية من مثل مؤسستي اجماعة وأمغار، كما نجد أراضي الحبوس أو الأوقاف سواء تلك التي تم توقيفها لفائدة المساجد أو الزوايا، وأصبحت فيما بعد تدبر من لدن وزارة الأوقاف، ثم إن قانون التحفيظ العقاري ساهم في تراجع الملكية الجماعية للأرض مع دخول المستعمر، حيث أصبحت هذه الأراضي في ملكية المعمرين والأعيان خلال فترة الحماية لتستمر الأوضاع على ما هي عليه، إذا ما استثنينا المبادرة التي قام بها المناضل السياسي عبد الله بن ابراهيم رئيس أول حكومة بالمغرب بعد الاستقلال، من خلال مباشرته توزيع الأراضي على صغار الفلاحين، إلا أن هذا المشروع تم إجهاضه وتوقف، لتبقى الأمور على ما هي عليه.. مما زاد معدل الفلاحين بدون أرض والذي سيستمر مسلسل نزوحهم نحو المدن المغربية منذ أربعينيات القرن العشرين.

فمن تملك القروي للأرض مع جماعته إلى أن أصبحت في ملك من تعوزهم السلطة وممن كانت لهم أيادي خفية مع المخزن سواء خلال الفترة الاستعمارية أو ما بعدها، حيث تم الوقوف في منطقة تنغير مثلا على الفارق الشاسع بين ملكية شيوخ القبائل والأفراد العاديين، وتبين كيف استغل هؤلاء أوضاعهم وحماية المعمر لهم، لينفردوا بأجود الأراضي الزراعية وأخصبها، بالإضافة لملكية الماء التي تساوي لدى البعض منهم ملكية قبيلة بأسرها.

الأرض والماء كانت دائما مصدرا للصراع ولخلق التراتبات الاجتماعية، فمع بروز الملكية الخاصة برزت معها الفارقية وتجلت التراتبات الاجتماعية، وما يزكي هذا الكلام هو أن اليهود الذين كانوا يعزفون عن العمل الفلاحي، في معظم مناطق المغرب، كانت لهم مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية بدادس، بما سمح به وضعهم الاجتماعي والاقتصادي الذي تعزز مع تملكهم لرساميل مادية، خولت لهم الحصول على أجود الأراضي الزراعية إلى جانب الأعيان وكبار القبائل، بالإضافة للأعداد الضخمة من المواشي التي كانت تعطى لساكنة الواحات في إطار الشركة.

ورغم الوفرة التي كانت تميز بعض المناطق المغربية من مثل المناطق الشمالية التي تعرف أراضي شاسعة وتساقطات مطرية مهمة إلا ان مسلسل التملك لم يستثني هذه المجالات القروية،  بل تجلى وبرز  لصالح الأقوى، الأكثر ثروة، الأكثر كاريزميا، الأكثر علائقيا كما كان للأكثر كفاءة أيضا، وغالبا ما ترجح الكفة لمن يجمع هذه الصفات أو للأكثر ثروة،  اما ملكية الماء فقد عرفت انتقال من ماء السماء إلى ماء الدولة، حيث تم تسعير الماء، ونحول تدبيره من طرف الجماعة إلى تدبير الدولة، حيث تفتح سدود المياه في أوقات محددة، أما في مجالات الكفالة، مجالات البين بين والمجالات التي لا توجد فيها لا وفرة ولا شح من  حيث الأراضي الزراعية ولا من حيث المياه، غالبا ما تكون في المجالات الوسيطية بين المناطق الجافة والمناطق الخصبة والرطبة، مثل الجبال، حيث الإنسان يتدخل لتدبير الماء داخل هذا المجال،  أما ملكية الأراضي على قلتها فقد باتت في يد من يملك رساميل رمزية ومادية أكثر. 

فمتى سيكون التفكير في مدخل الأرض الذي هو مدخل حقيقي وناجع لتنمية القرية المغربية المنكوبة؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.