اجتماع مجتمع مختارات مقالات

شبكات التواصل الاجتماعي والتفاعل مع قضايا المجتمعات العربية

كيف تسهم شبكات التواصل الاجتماعي في مساندة قضايا المجتمعات العربية؟

بقلم/ أ. عمّارية عمروس؛

باحثة في الشؤون الأمنية والإستراتيجية (الجزائر).

شهد استخدام الفضاء الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي في المجتمعات العربية ارتفاعا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، خاصة لدى فئة الشباب، وهذا راجع إلى عدة عوامل أهمها ضرورة الإنترنت في الحياة اليومية على الأصعدة كافة. ومن خلال تتبّع تطور استخدام الشبكة العنكبوتية في المجتمعات العربية يتبيّن حجم التأثير الذي أصبحت تمارسه في مختلف المجالات، وتحديدا بعد أن تم تصميم شبكات التواصل الاجتماعي، وهي الظاهرة التي ساهمت –شيئا فشيئا- في إشباع حاجات الفرد في التعبير والتعلّم الذاتي ومعرفة الأخبار والمستجدات بكل سهولة.

لقد أصبح استخدام مواقع كالفيسبوك في المجتمعات العربية فرصة للتعبير عن الذات وطرح الانشغالات بصورة جادة أو حتى ساخرة، فأصبح بمنزلة المتنفَّس لدى الفرد لتناول مواضيع كانت محظورة في السابق، كالمسائل الدينية والسياسية والفساد في النظم السياسية العربية، وغيرها من المواضيع كالمثلية الجنسية.

ولشبكات التواصل الاجتماعي دور متزايد في التعبير عن مطالب الحركات الاحتجاجية وتنظيم الإطار العام لتحركات المحتجين، فهي اليوم وسيط محوري في نقل الانشغالات الجماهيرية، وتعبئة الأفراد للانخراط في الحركات الاجتماعية ذات الطابع الاحتجاجي المرتبط بقضية ما، وإيصال المطالب بشكل سريع وفعّال إلى صناع القرار في السلطة. ويمكن تقييم طبيعة العلاقة بين هذه الوسائط والحركات الاحتجاجية على ضوء موجة الحراك في المنطقة العربية من خلال ما يلي:

* واكب ارتفاعَ معدل استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في الحياة اليومية ارتفاعٌ في الاعتماد على الفضاء الافتراضي ضمن إطار الحاجة إلى التغيير وتشكيل ضغط حقيقي ذي صيت وفعالية (وهو ما لاحظناه مع أحداث الحراك في تونس قبل سنوات ثم في الجزائر منذ 2019).

* يمكن القول بأن شبكات التواصل الاجتماعي قد شكّلت دافعا ووسيطا فعليا للخروج من دائرة الصمت والخوف، والإصرار على التضامن الجماهيري من أجل تحقيق التغيير والتحول الديمقراطي كهدف أسمى (مع أنه يظل هدفا مثاليا).

* لا يمكن القول بأن الحراك العربي أتى نتيجة للزخم الحاصل من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، ولكن لا يمكن أيضا إنكار دور هذه الشبكات في الحشد وإيصال الانشغالات بصورة فعالة ومستمرة.

ولم يتوقف الأمر عند مجرد فكرة أو رأي يتم التعبير عنه من أجل إيصال صوت الجماعات والشعوب، بل الخطير في الأمر أن هذه الحرية -في الجانب المقابل- تحولت إلى تهديد لاستقرار المجتمع على نطاق واسع من خلال التفنن في نشر خطاب الكراهية والفتنة بين المذاهب الدينية المختلفة، وهنا تُعد ظاهرة التطرف الديني أبرز مثال واقعي.

استثمرت الجماعات المتطرفة دينيا في بعض خصائص الفيسبوك وغيره من الشبكات الاجتماعية الافتراضية، مثل: التكلفة المنخفضة للاستخدام، إمكانية أن تساهم هذه الوسائط في تشكيل هوية مشتركة لمن يدافعون عن نفس الرأي والهدف، بالإضافة إلى دورها في اختزال الجغرافيا وتعزيز مفهوم “القرية الكونية”. هذا ما ساعد في تفعيل إستراتيجية الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية عبر استخدام مواقع مثل الفيسبوك في الترويج للفكر المتطرف دينيا، والتشجيع على تنفيذ أعمال إرهابية داخل الأوطان أوعابرة للحدود، وهو نهجُ تنظيم الدولة “داعش” الذي امتاز بمنظومة إعلامية إلكترونية قوية، واعتماد كبير على التطور التكنولوجي في كسب الأنصار واكتساب شرعية إقامة دولة الخلافة الإسلامية.

ومع التأثير المتزايد لشبكات التواصل الاجتماعي، تنبّهت الحكومات إلى خطورة الأمر وضرورة احتوائه، خاصة مع المساس باستقرار المجتمعات وانتشار الجرائم المستحدَثة عبر الوسائط الإلكترونية. وكمثال على ذلك فقد وضعت الجزائر قانونا لمكافحة خطاب الكراهية والتمييز (القانون رقم 20-05 لسنة 2020)، مع أن البعض اعتبره يتقاطع في نفس الوقت مع الحرية الشخصية وحرية الرأي والتعبير المكفولة بموجب القانون.

ما لا يمكن إنكاره في جميع الأحوال هو أن شبكات التواصل الاجتماعي قد تمكّنت من أن تمارس تأثيرا فعليا من خلال التفاعل مع قضايا المجتمعات العربية، ولكنه تأثير تراوح بين بُعده الإيجابي وبُعده السلبي، فالمشكلة تكمن في كيفية الاستفادة من تطور تكنولوجيا الإعلام والاتصال في خدمة أهداف نبيلة وشرعية، وليس في زرع وتعزيز التعصب للرأي والصراع الطائفي والتطرف الديني.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.