تنمية مختارات مقالات

تقدير الذات: سيكولوجية الهارب

بقلم: حازم القيسي

الجزء الثالث: سيكولوجية الهارب

نستكمل معكم اليوم رحلتنا إلى داخلنا ..

الانفصال الأول عن الحقيقة .. واللعنة القديمة .. إنه الفصام الظلامي عن هويتنا وذواتنا ..

أسلفنا سابقا أن الإنسان ذو طبيعة مزدوجة يتأرجح بين ترددات الروح وذبذبات المادة فيه ..

وهذا التأرجح وإن كان يصنع به توازنه لكنه في كثير من الأحيان في مرحلة التيه عن نفسه يجنحُ نحو الأنا .. فما هي الأنا ومين أين بدأت حكايتها ؟! ..

قال أنا خير منه! ..

إن الكون من حولنا متجانس بدقة إلهية بالغة فليس في الكون اختلاف نوع وإنما فقط اختلاف درجات .. وحكاية الأنا ابتدأت حين عرض الله سبحانه على من اختارهم من الملائكة ومن كان في تلك الحضرة الألهية عرض عليهم خلق آدم، ذلك الخلق الذي يحتوي المكنون الفريد .. روح الله فيه!

فتنكر إبليس قائلا؛ (أنا خير منه .. خلقتني من نار وخلقته من طين!)

فكانت تلك الأنا هي سبب الهبوط! (قال اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها!)

نعم الأنا فقط ..هبوط عن مسارك الوحيد نحو حقيقتك!

فالأنا هي انفصال عن الله! .. حجاب باطنه العذاب وظاهره التفرد المزيف! .. فنحن في رحلتنا هذه الحياة من الله وإليه (إنا لله وأنا إليه راجعون) .. وحين نشعر بأي مظهر من مظاهر القدرة أو الاختلاف عن جنس الكون كله الذي سخر الله لنا ، ونغطي بغربال بديهية أن كل ما في السماوات والأرض من الله (وسخر لكم ما في السماوات والأرض جميعا “منه”!!)

حينها سنضرب على إدراكنا وبصيرتنا حجابا فوق حجاب .. حتى نصل إلى العمى المطلق (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى) ..

والأنا أشكالها كثيرة ومسمياتها وتصنيفاتها عديدة فمن كان جميل الخِلقة والمظهر والجسد وأحس بها تدغدغ حناياه وأحس لو بذرة مفاضلة على الخلق بجماله فهذه أنا!

ومن كان صاحب مال وجاه وتحسس الممايزة عن الخلق بماله فتلك أنا أيضا .. ومن كان صاحب عقل وذكاء واستعان بذكائه على خلق قيمة له بين الناس فهذه أنا!

تلك الأنوات جميعا حقيقتها واحدة مهما بلغت شدتها كقول قارون (إنما أوتيته على علم عندي!) وقول ابليس قبله أنا خير منه إنما هي كِبر!

كلٌ يتكبر بحسب درجة تمايزه عن المخلوقين .. وقد أقر الله في كتابه أن هذا كبر (فما يكون لك أن تتكبر فيها!) .. وقد صنفها العلم الحديث ابتداء من سيجموند فرويد بتعريفه للـ إيغو وغيره ممن تبعه من التحليلين أو علماء السلوك البشري بأسماء عديدة بحسب درجتها؛ فالأنانية والأيغو والنرجسية والبارانويا كلها درجات من الشعور المزيف بالذات وضرب من ضروب الكبر لا شك ..

وليس هذا مقام استعراض السلوك البشري بحسب التصانيف العلمية لأننا نحاول في بحثنا هذا أن نركز على شخصية الهارب والمطارد في العلاقة العاطفية سواء كانت توأم شعلة او أي من صنوف العاطفة .. ونحاول بيانها من زاوية نظر جديدة .. علها تكون نورا للسالكين في بحثهم عن حقيقتهم وإدارك التوازن الحقيقي للذات ..

وهذه الأنا هي ما يسيطر على الهارب وعلينا أن نكون صادقين في مرآتنا ونعترف بالحقيقة ولا نخاف من كوننا التصق بنا صفات لا نقلبها كالكبر والعنجهية؛ فمن أراد أن يعمي نفسه هاربا أو مطاردا عن هذه الحقيقة فلن يشفى أبدا ..

والذي يجعل علاقة الهارب والمطارد أشد تعقيدا هو أن المطارد يغذي هذه الأنا وهذا الكبر الزائف في الهارب كلما لاحقه أكثر .. بل ويعلمه فنونا فيها لم يكن يعلمها بسبب مطاردة المطارد ..!

فكما ذكرنا في الجزء الذي سبق أن الهارب يبحث عن الحب بهذه الطريقة مع الجميع .. غير أن المطارد هو المنبع الأكبر للحب لدى الهارب فكلما طارده خاف الهارب أن يستسلم له فيخسر هذا الحب ويبرد .. وهذا ما يفسر تزايد وتيرة الهرب .. فهو لا يهرب من المطارد ولا يقصد إيذاؤه أبدا .. بل هو يهرب من فقدان الحب فيتعذب كما يتعذب المطارد بل ربما أشد أحيانا ..

وهذا أيضا ما يفسر تعدد علاقات معظم الهاربين وليس جميعهم .. فهم يقتاتون ويتغذون على كل طريدة تجري وراءهم حتى يشعروا بوجود ذواتهم وأهميتها..

ما الحل أيها الهارب ..؟!

الحقيقة أن الحل في غاية البساطة!

فكل ما بنا مما يميزنا عن من يحيطون بنا لا حول لنا ولا قوة في إيجاده فينا! .. فأنت أيها الهارب المتعالي لم تخلق جمالك ولم تكن بهذا النعيم ماديا أو عقليا أو جسديا أو أيا مما يميزك لا باختيارك ولا بحولك وقوتك .. (وما بكم من نعمة فمن الله).. ومن تنكر لفضل الله عليه سيحترق فؤاده ولا ريب .. ومن صدق وهم أنه ناجح أو متميز بجهده فقد جهِل جهلا مطبقا وفصم نفسه عن روح الله، عن منشئه ومرجعه الحقيقي، فأنت منه وإليه سبحانه.

وأخيرا حتى نلتقي في الجزء القادم؛

اعلم أنه سواء كنت هاربا أو مطاردا أن مقابلك إنما هو أنت بصيغة ما! .. فأنتما ساقيتا ماء تصب في ذات الإناء، وهذا المزيج إنما يصنع منك أنت المتوازن! .. فانظر فيه فهو مرآتك التي لا تكذب

وإني رضيعُ وصالهم ** والطفل يؤلمه الفطام!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.