فكر مختارات مقالات

مناظرة: مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية

كتب ا. محمد عبد العاطي:

في يناير من عام ١٩٩٢ حضرت مناظرة معرض القاهرة الدولي للكتاب التي كانت بين فرج فوده ومحمد أحمد خلف الله من جهة، ومحمد الغزالي ومأمون الهضيبي ومحمد عمارة من جهة ثانية، وكان عنوانها “مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية”، وكنت وقتها طالبا بالجامعة، ثم مرت الأيام وتخرجنا في العام التالي وأخذتنا الدنيا والسعي فيها طلبا للرزق، وقد اختارت الأقدار أن نعيش خارجها منذ ذلك الوقت حتى الآن، وقد نسيت أمر هذه المناظرة حتى وصلني على الواتس آب رابطاً لها على اليوتيوب، فشاهدتها بدافع استعادة الذكريات، ولأرى ماذا أفهم منها الآن وأنا أقف على مشارف الخمسين من العمر مقارنة بما فهمته حينما كنت في الواحد والعشرين، وبعد ما اكتسبته في رحلة الحياة من علم وثقافة وتجارب وخبرة ومخالطة للشعوب والثقافات والأديان.

الحق، لقد تأكد لي ما عليه الطرف الإسلامي من هشاشة فكرية حاول مداراتها بالضرب على وتر العاطفة الدينية ودغدغة مشاعر الجماهير والحديث العام الفضفاض المليء بالحماسة والشعارات البعيد عن المنهج والخالي من المضمون. في مقابل الطرف الآخر الذي مثله فوده وخلف الله، والذي جاء حديثا عقلانيا، هادئ النبرة، واثقا من طرحه، مستندا في تدليله على الحقائق التاريخية والمعطيات الواقعية.

في بداية المناظرة أعطيت الكلمة للغزالي فراح يقول: البوذيون لهم دين واليهود لهم دين والهندوس لهم دين فلماذا لا نحكم نحن بديننا وهو الدين الإسلامي؟

هكذا، مباشرة، تساءل، واستنكر، وهاجم، ومدح الإسلام الذي ساد العالم ثلاثة عشر قرنا، على حد قوله، دون أن يكلف خاطره بتحرير المصطلحات وتحرير المفاهيم التي هو بصدد مناقشتها، فلم يبين مثلا ما يقصده بكلمة دولة، وما الذي يعنيه بكلمة دين، وما الذي يفهمه من كلمة الشريعة، وعلاقة ذلك كله بالدولة القائمة حاليا.. لم يوضح ذلك في مداخلته، وإنما جاءت، كما قلت، عاطفية حماسية انفعالية هلل لها الجمهور وحمد الله وكبر.

ثم جاءت كلمة مأمون الهضيبي فكانت أدهى وأمر، إذ أمطر الحاضرين بوابل من الآيات التي استخلص منها أن من لم يحكم بما أنزل الله فهو من الكافرين والفاسقين والظالمين، دون أن يبين فيمن نزلت هذه الآيات، ولا المقصود تحديدا “بما أنزل الله” وعلاقته بالواقع الراهن، وعوضاً عن ذلك راح يعترض على مفردة الدولة الدينية لأنها لم تحدد الإسلام على وجه الخصوص، ليصبح العنوان الذي أراد “مصر بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية”.

أما محمد عمارة فقد كان الأعلى نبرة والأكثر حماسا وطفق يقول: إن دولة الإسلام سادت العالم عشرة قرون حينما كانت تُحكم بالشريعة، ثم حينما تغيرت القوانين وأصبحت غربية وضعية فقدت هويتها وضاعت سيادتها وتخلفت عن ركب الأمم، ثم دعا فرج فوده ومحمد أحمد خلف الله إلى التوبة والإنابة والرجوع عن أفكارهما كما رجع، بحسب قوله، علي عبد الرازق عن قوله إن الإسلام رسالة روحية، وعاد للقول إنه دين ودولة.

إلى هنا، انتهى طرح الإسلاميين على المنصة، والذي لم نخرج منه بشئ غير الكلمات الرنانة والأفكار العامة والحديث العاطفي والبناء المهلهل.

ثم بدأ محمد أحمد خلف الله وتبعه فرج فوده، فحدد كل منهما مصطلحاته ومفاهيمه: ما هي الدولة التي يقصدها، ما دورها ووظيفتها، وما هو الدين ورسالته ودوره ووظيفته، والفرق بين النبي والملك، ولماذا لم ينص القرآن على شكل محدد للحكم، ولا ترك الرسول وصية من بعده يلتزم بها المسلمون في تدبير أمر الدولة والخلافة.. ليخلصا إلى أن الدين جاء بقيم عامة وترك شؤون الحكم والدولة للاجتهادات البشرية والخبرات المكتسبة من تطور العصر، وبالتالي فلا يجوز أن تُنسب الدولة التي نشأت سواء في عهد الخلفاء الراشدين أو بني أمية أو بني العباس أو من جاء بعدهم إلى الدين فنقول إنها كانت دولة دينية، أو دولة دينية إسلامية، وإنما كانت دولة ثم امبراطورية، حكمها الإسلام لأقل من ثلاثين عاما على يد أبي بكر وعمر بن الخطاب وعامين ونصف في عهد عمر بن عبد العزيز، ثم بعد ذلك غاب الإسلام عن الحكم وأصبح الأمر دنيويا بحتا، يتصرف الحاكم كما يشاء، فالتاريخ – والكلام لفرج فوده وخلف الله – يشهد على عدم وجود شئ يسمى دولة دينية إسلامية، وغياب النموذج يشهد على عدم وجودها، وانقسام المشايخ بين من يؤيد فلانا باسم الإسلام وعلى النقيض يؤيد مشايخ آخرون علانا باسم الإسلام، يشهد أيضا على ضبابية الفكرة وهشاشتها وعموميتها وعدم واقعيتها.

واستمر المتناظرون على هذا السجال، وأحسب أن الذي خرج فائزا في هذه المحاضرة الطرف الممثل للدولة المدنية بما انطوى عليه طرحه من منهجية وعقلانية، بينما خسر الإسلاميون، ليس فقط لبضاعتهم المزجاة وإنما لحماستهم المفرطة التي حسبوا أنها سترجح كفتهم وما علموا أن الصوت في النهاية ما هو إلا هواء، وأن العاطفة سرعان ما تهدأ ثم تتبخر ولا يبقى راسخا في الذهن إلا الأفكار الصلبة المؤسسة على قاعدة متينة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.