سياسة عروض كتب مقالات

خمسون عاما في الرمال المتحركة للكاتب محسن العيني

بقلم/ أ. محمد عبد العاطي

محسن العيني هو رئيس الوزراء اليمني الأسبق، من مواليد عام ١٩٣٢ ولا يزال حيًّا يُرزق. عمل سفيرًا لبلاده في عواصم كبرى، وكان مندوبًا دائمًا لها في الأمم المتحدة، كما تقلَّد منصب وزير الخارجية لسنوات، وشارك بفاعلية في الحركة الوطنية التي أطاحت بحكم الأئمة وأسست الجمهورية أوائل الستينات، وقد ألَّف كتابه هذا ليروي فيه شهادته على عصرٍ عاشه ومحطاتٍ ومنعطفاتٍ أثَّرت في تاريخ اليمن الحديث والمعاصر.

يسلِّط الضوء في كتابه على أوضاع اليمن السياسية والاجتماعية، وعلاقاته الخارجية، إبان حكم الإمام يحى حميد الدين وأولاده، ويوضح نتائج سياسة العزلة التي فرضها الإمام على الشعب اليمني وتأثيرها السلبي على كافة المستويات؛ التعليمية والثقافية والبنية التحتية والظروف المعيشية، وهي الحالة التي أبقت على اليمن وكأنه لا يزال يعيش في العصور الوسطى رغم انتصاف القرن العشرين.

وفي هذا السياق يتحدث محسن العيني عن بداية تشكُّل الحركة الوطنية اليمنية التي أخذت على عاتقها مهمة تخليص اليمن من هذا النظام القديم والانتقال به إلى العصر الحديث، فتكلَّم عن قادة هذه الحركة؛ مثل محمد محمود الزبيري، وأحمد محمد نعمان، وعبد الرحمن الأرياني، وغيرهم، وألقى الضوء على شخصياتهم وأفكارهم واجتماعاتهم، كما تحدث عن أول ثورة قاموا بها ضد الإمام يحى عام ١٩٤٨ والتي انتهت بالفشل، وراح يحلل أسباب هذا الفشل ودور العامل الخارجي فيه، لا سيما الدور السعودي الذي وقف إلى جانب الإمام وحال دون تحقيق اليمنيين لمطلبهم المشروع في تغيير النظام والبدء في تحديث بلدهم.

ثم استعرض العيني في مذكراته، السياق العام لثورة ١٩٦٢ التي نجحت هذه المرة في الاطاحة بالإمام وإعلان الجمهورية، وتكلم عن دوره في هذه الثورة وعلاقته بقائدها المشير عبد الله السلال الذي اختارته مصر وأيدته في إطار سياسة الرئيس جمال عبد الناصر المعلنة والتي كان يؤيد ويدعم بموجبها حركات التحرر الوطني سواء من الاستعمار أو من الأنظمة التي كانت توصف آنذاك بالرجعية.

ويوضح العيني الأوضاع التي كانت عليها البلاد في الشهور والسنوات الأولى من الثورة، وافتقادها إلى المؤسسات والخبرة في إدارة شؤونها على كافة المستويات، السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والإدارية، وحالة الفوضى والارتجالية التي اتسمت بها تلك المرحلة نتيجة لهذه الأوضاع.

ويفرد العيني مساحة في كتابه للحرب الأهلية التي فُرضت على النظام الثوري الجديد لكي تحول دون تحقيقه لأهدافه، وهي الحرب التي استمرت بضعة أعوام بين الشمال الذي كان يسيطر عليه الثوار وتدعمه القوات المصرية، والجنوب الذي كان يتحكم فيه أتباع الإمام وتدعمه السعودية.

ويوضح العيني نتائج وقوع اليمن بين شقي رحى التنافس الإقليمي المصري السعودي آنذاك، وتأثيره السلبي على استقرار البلاد وسيادتها واستنزاف مواردها.

ويستعرض الكاتب فترة حكم المشير السلال التي امتدت من ١٩٦٢ حتى نوفمبر ١٩٦٧ حينما أطاح به ضباط الصاعقة أثناء سفره للعراق في مهمة رسمية، وتشكيل العسكريين مجلساً رئاسيًّا ثلاثيًّا ليكون في الواجهة، مكوناً من القاضي عبد الرحمن الأرياني وأحمد محمد نعمان ومحمد علي عثمان، واختاروا محسن العيني رئيساً للوزراء.

ويفرد الكاتب مساحة للحديث عن مساعيه في فترة رئاسته للوزراء لمأسسة الجمهورية الوليدة، وإنشاء المصالح والهيئات والأجهزة المعنية بالتخطيط والتدريب والإدارة، وتطوير التعليم والصناعة والزراعة والتجارة، وتحسين علاقات اليمن الخارجية والنأي به عن الصراعات الإقليمية والدولية.

وفي سياق ذلك يوضح طبيعة التحديات التي واجهته وأسلوبه في التعامل معها، وبخاصة فيما يتعلق بدور المجلس الرئاسي الذي لم يكن حازماً ضد العسكريين ورجال القبائل الساعين وراء مصالحهم الخاصة والمصرين على استمرار امتيازاتهم ورفض المساس بها، وكذلك فيما يتعلق بدور السعودية الذي استمر يناصب الثورة العداء لكن هذه المرة بطرق غير مباشرة وليس في وضح النهار كما كان الحال إبان الإمام يحى وابنه أحمد. ويأسف العيني على هذا الوضع رغم أن النظام الجديد لم يكن يمثل للسعودية تهديداً وكان فاتحاً ذراعيه للتعاون على قاعدة المصالح المشتركة، لكن الرياض، وفق الكاتب، كانت تريد دوماً يمناً تابعاً وليس مستقلاً في إرادته الوطنية وقراره السياسي.

ومن مظاهر تدخل النظام السعودي في الشأن اليمني آنذاك (كما تدخل نظام عبد الناصر قبل هزيمة ٦٧) ممارسة الضغط الاقتصادي والسياسي لتعيين وزراء ومسؤولين حكوميين تابعين لها، وعزل آخرين لا ترتاح إليهم، وعدم الاستجابة لطلب الحكومة بزيادة الاستثمارات السعودية في اليمن من أجل دعم خطط التنمية والاكتفاء بتقديم مساعدات قليلة يذهب أغلبها لشيوخ القبائل الموالين لها.

ومن هذه الفترة ينتقل العيني في مذكراته للحديث عن فترة أخرى كان رجلها الأبرز هو المقدم إبراهيم الحمدي الذي قاد عام ١٩٧٤ حركة عرفت باسم “حركة ١٣ يونيو التصحيحية” التي عزل بمقتضاها القاضي عبد الرحمن الأرياني بحجة ضعفه وعدم قدرته على حسم الأمور من أجل النهوض باليمن وتحقيق أهداف الثورة.

ويسرد المؤلف ظروف وملابسات هذه الحركة والدوافع التي أملت عليه القبول بمنصب رئيس الوزراء حينما طلب منه الحمدي ذلك، واستمراره في تنفيذ رؤيته الإصلاحية والتحديثية وطبيعة العراقيل التي واجهته أيضا خلال تلك الفترة وأهمها اختلاف التوجهات بينه وبين العسكريين الممسكين بزمام السلطة والذين أقالوه عام ١٩٧٥.

ويسرد العيني ذكرياته الشيقة والمثيرة عن الفترة من ١٩٧٥ حتى ١٩٧٩ والتي قضاها في مصر والعراق بعيدا عن السلطة وعن السياسة.

ويقفز على ظروف وملابسات اغتيال الحمدي عام ١٩٧٧ رغم أهمية الحدث، ورغم احتياج القارئ لمعرفة قراءة محسن العيني شخصيًّا لعملية الاغتيال والعناصر والقوى والدول التي تقف خلفها، وكيفية استدراجه إلى منزل رجل السعودية في الجيش اليمني المقدم أحمد حسين الغشمي واغتياله هناك أثناء تناول الغذاء.

كما يقفز العيني على سياق تولي الغشمي للسلطة بينما يتحدث فقط عن اعتزاله السياسة خلال تلك الفترة، والمضايقات والملاحقات الأمنية وعمليات التجسس ومحاولة الاغتيال التي تعرض لها في مصر والإمارات التي هرب إليها ثم منها، وتوجيهه أصابع الاتهام إلى الغشمي الذي انتهت حياته بعد عام قضاه في السلطة باغتيال مماثل لاغتيال الحمدي لكن هذه المرة من خلال قنبلة داخل حقيبة انفجرت في مكتبه ليتولى السلطة بعد ذلك مجلس رئاسي كان العقيد علي عبد الله صالح عضواً فيه، والذي آلت إليه الأمور بعد ذلك في عام ١٩٧٩ فأصبح رئيساً للجمهورية، واختار العيني في نفس العام مندوباً لليمن في الأمم المتحدة، فعاد إلى منصبه القديم، وظل في السلك الدبلوماسي مندوباً وسفيراً حتى عام ١٩٩٤.

فهذه إذن الخطوط العريضة لكتاب خمسون عاماً في الرمال المتحركة لمحسن أحمد العيني.

الكتاب حافل بالأحداث والوقائع والشخصيات، وأحاديثه مهمة وطريقة سرده جذابة، وآراؤه في عوامل النهوض وأسباب التخلف مهمة، حيث ضمَّن كتابه وجهات نظره في العلاقة بين الدين والسياسة، وتداعيات التجزئة والقُطرية على العالم العربي، ودور العامليْن الثقافي والاجتماعي في تسريع أو تأخير التنمية والتحديث والعصرنة.

كما احتشد الكتاب بالدروس المستفادة من تجارب الدول التي زارها في مجالات الصناعة والزراعة والتعليم والبحث العلمي.

وقدم نقده الصريح لأوضاع جامعة الدول العربية، وسياسات الأنظمة العربية التي تعادي بعضها بعضا ولا تستطيع إدارة ما بينها من اختلافات، مع المحافظة على حد معقول من تنسيق العمل العربي المشترك، على غرار الاتحاد الأوروبي، وغيره من المنظمات والتحالفات الإقليمية.

والقارئ لهذا الكتاب يخرج بشعور يشبه الحسرة على الفرص العديدة التي توفرت للعرب وكان باستطاعتهم من خلالها تحقيق النهوض والتقدم والتخلص من فقرهم وعجزهم وتخلفهم، لكن ذلك لم يحدث بسبب فساد أنظمتهم وديكتاتوريتها؛ عسكرية كانت أم مدنية، جمهوريةً أم ملكية، وفق العيني.

ومن المؤكد أن ما أورده محسن العيني في كتابه إنما هو وجهة نظره، ورؤيته الخاصة لتلك الأحداث المهمة: الثورة اليمنية عام ١٩٤٨، ١٩٦٢، أحداث: ١٩٦٧، ١٩٧٤، ١٩٧٧، ١٩٧٥، ١٩٧٩. وآرائه في عديد الشخصيات المؤثرة: الزبيري، الأرياني، النعماني، الحمدي، البيض، عبد الناصر، السادات، صدام، فيصل. وتحليله لمحطات تاريخية بارزة: هزيمة العرب في ٦٧، الحرب العراقية الإيرانية ١٩٨٠-١٩٨٨، غزو الكويت ١٩٩٠، حرب تحرير الكويت ١٩٩١.. أقول من المؤكد أن ذلك كله إنما هو رؤية خاصة وليست بحثاً ولا تأريخاً، ولكن كما درجت العادة في النظر إلى مذكرات السياسيين والقادة فإن أهميتها تنبع من درجة قرب صاحبها من الحدث، وقدر إسهامه في تشكيله، ومصداقيته فيما يرويه عن نفسه وعن الآخرين.

كتاب “خمسون عاما في الرمال المتحركة” لمحسن العيني مهم ليس لليمنيين فقط وإنما أيضا للقارئ العربي المعني بهموم أمته وأسباب نهوضها من
كبوتها.
اليمن
محسن العيني

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.