دين فكر مختارات مقالات

كيف شوشت صفة “الإسلامية” فكرة الدولة في عقول المسلمين قديماً وحديثاً؟

بقلم/ أ. محمد عبد العاطي – مصر

ظهر الإسلام في شبه الجزيرة العربية، وتحديدا في مكة وما جاورها، حيث لم تعرف هذه المنطقة من العالم “الدولة” كما عرفتها الأمم والحضارات الأخرى، كالحضارة الفارسية والرومانية والمصرية والهندية والآشورية.

كانت أرض شبه الجزيرة العربية في أغلبها أراض صحراوية يعيش أهلها على رعي بعض الأغنام والإبل وعلى التجارة والبعض على الزراعة في الواحات القليلة المتناثرة هنا وهناك، وكان الغالب على تنظيم حياة هؤلاء السكان هو الشكل القبلي، حيث كانت القبيلة تقوم بدور الدولة من حيث الحماية والدفاع والقتال والقضاء وما شابه.

وحينما ظهر الإسلام في مكة لم يكن في بال مؤسسه، النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، ولم يكن بمكنته أن يقيم دولة، أولا لأن هذا المفهوم أساساً (مفهوم الدولة) كما سبق القول لم يكن موجودا في الأذهان، وثانيا لأن المسلمين كانوا أقلية دينية مستضعفة لا يستطيعون حماية أنفسهم من بطش المضطهدين لهم دينيا من قريش وغيرها.

لكن الأوضاع تغيرت حينما هاجروا إلى المدينة. هناك كثر عددهم، وقويت شوكتهم، ثم ازدادوا قوة أكثر بعد هزيمة قوات تابعة لقريش جاءت لمحاربتهم فيما عرف بغزوة بدر في العام الثاني من هجرتهم، وبدأوا يأخذون زمام أنفسهم بأنفسهم؛ ينظمون معيشتهم، ويستهدون بالتشريع القرآني في تعاملاتهم سواء فيما بينهم كمجموعة دينية واحدة أو فيما بينهم وبين غيرهم من مجموعات دينية كاليهود والنصارى، ومن مجموعات قبلية اتفقوا مع بعضها على الصلح وعدم شن القتال، ومع بعضهم الآخر على الهدنة لبضعة أعوام.. إلى آخره.

ثم ارتأوا أن من مصلحتهم دينا ودنيا، بحسب فهمهم، بسط نفوذهم، واخضاع القبائل المجاورة لسلطتهم، فشنوا الحروب وانتصروا فيها، وكان آخرها داخل شبه الجزيرة العربية، تلك الحروب الاثنى عشر التي اشتهرت باسم حروب الردة والتي قاتل فيها أبو بكر القبائل التي أعلنت تمردها على سلطته ورفضت دفع الزكاة واعتبرتها إتاوة مالية كانت تدفعها لمحمد (ص) وأنها في حل من أمرها بعد وفاته.

ثم، كما هو معلوم، جاء عمر بن الخطاب، فانتقل بتلك الحروب إلى خارج حدود شبه الجزيرة العربية، فهاجم بلاد الشام والعراق وإيران ومصر، وأخضع تلك البلدان الغنية لسلطته.

واستدعى تكوين الجيوش المحاربة وتوجيهها هنا وهناك شيئا من التنظيم، ثم حينما كثرت الأموال الواردة من تلك البلدان شديدة الثراء، استدعى ذلك أيضا مزيدا من ضبط الوارد والمنصرف، وقد قام على ذلك عدة دواوين تشبه الوزارات المعمول بها في فارس والهند وبلاد الروم، مثل ديوان الجند وديوان المال وديوان البريد وما هنالك.

وأخيرا في عهد معاوية بن أبي سفيان والأسرة الأموية أصبح للمسلمين دولة بالمعنى الكامل وفق معايير ذلك العصر، تسمى دولة بني أمية.

وكلمة دولة في العقل العربي الإسلامي وقتذاك تعني أن أمر الحكم دال لفلان الفرد أو فلان الأسرة والقبيلة.. دولة بني أمية، دولة بني العباس، دولة بني عثمان وهكذا.

وفي جميع تلك المراحل، منذ المحاولات الأولى لتوسعة النفوذ داخل شبه الجزيرة العربية وصولا للدولة الأموية التي أصبحت في حقيقة الأمر إمبراطورية، كان المؤسسون الأوائل يستعينون في تدبير شؤونهم العامة بخبراتهم الذاتية، وبخبرات الأمم المجاورة التي تصل إلى مسامعهم في رحلات التجارة، وبما يجتهدون فيه رأيهم من فهمهم لبعض التشريعات الواردة في القرآن، وباقتدائهم بسنة نبيهم (ص)، كل ذلك فيما يعنُّ لهم من مشكلات ومقتضيات واحتياجات.

فالأمر إذن؛ أمر الدولة التي أنشأها العرب المسلمون آنذاك، كما يتضح من هذا الاستعراض التاريخي، هو أمر اجتهاد بشري بحت، حيث لم ينزل القرآن بنموذج للحكم محدد المعالم يوصي المسلمين باتباعه، ولم يترك لهم نبيهم (ص) نموذجا أو شكلا محددا لهذا الحكم يَلزَمهم تطبيقُه.

وكل ما فعله هو نفسه، عليه الصلاة والسلام، ومن جاءوا بعده من الصحابة، ثم من جاء بعدهم من حكام بني أمية وبني العباس وبني عثمان، إنما هو اجتهاد بشري، وفق ما توفر لهم من خبرة تعلموها من عصرهم، ووفق ما تمكنوا من الاستهداء به وهم ينظرون في نصوصهم المقدسة، وهذا أمر مهم لكي نفرق في الإسلام بين ما هو دين ثابت وممتد زمانا ومكانا، وبين ما هو دنيا، وأحداث وتشريعات وقضايا واحكام نزلت للتفاعل مع لحظة تاريخية انتهت على مستوى التشريع والحكم بانقضائها، أي بعبارة أخرى التفرقة بين الإسلام الدين والإسلام التاريخ .

ويستمر الزمان في تطوره، ويتطور تبعا لذلك مفهوم ووظيفة الدولة، وتدخل على أنظمة الحكم تعديلات إثر تعديلات لتكون الأمور أكثر تنظيما وأقرب عدلاً، فجاءت أفكار وتجارب الحكم النيابي، والفصل بين السلطات والتوازن بينها؛ التشريعية والقضائية والتنفيذية، وما إلى ذلك من أدوات وآليات الدولة والسلطة والحكم في العصر الحديث.

وعليه، وكما يتضح مما سبق، فهل لا يزال ثمة منطق أو مبرر أو سند تاريخي أو ديني للقول بوجود شئ اسمه دولة إسلامية، أو حكومة إسلامية، أو خلافة إسلامية، أو ما شابه من تسميات؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
احمد دلول
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.