فنون مختارات مقالات

عدلي صادق يكتب: عن مسلسل البرنس

بقلم/ أ. عدلي صادق

مسلسل البرنس

على مائدة السحور، تضاحك أولادي اليوم، عندما سألت أحدهم: “هو رضوان لقى مريم؟

سألت عن سبب هذه الضحكات الساخرة، فقالت لي أمهم: “لأنك أول مرة تهتم بشغلة مثل هيك، من أيام مسلسل الحاج متولي”.

قلت لها: “الحاج متولي غير محسوب، لأن نور الشريف، رحمه الله وغفر له، كان صديقي”!

مسلسل البرنس، حدوتة بحجم كارثة. تتوزع المشاهد على عدد من الأمكنة، وتجري الأحداث في سياق يجعل الحارة الشعبية سلبية وبلهاء، وهي الذكية الناشطة والمتضامنون أهلها في الواقع. فلا تخلو حارة في القاهرة، من رجل قضاء، أو محامٍ، أو رجل أمن ظاهراً أو متخفياً كما في أفلام السينما. فحارة “البرنس” وهي الشرابية، تعرف إن فلاناً يتجر بالمخدارات، وأن السجين مظلوم، وأن الراقصة تسكن في الحي آمنة قوية وعالية الصوت، وأن الصيدلية يديرها لصوص ونصابون. أما المحكمة، فيُتلى فيها بيان المدعي العام، بفصاحة وسذاجة، بينما الأمر كله يقوم على ملعوب. والفتى النحيل، مطمئن الى قدراته العضلية، على تكسير عشرة أشخاص يهجمون عليه، والمرأة “السماوية” زعيمة الإتجار بالحشيش، لا يعكر صفو زمنها بوليس أو مترصد. واللافت الوحيد الذي يستحق الإعجاب في المسلسل، هو ذكاء السيناريست، الذي وضع الجمل على ألسنة الممثلين والممثلات.

لهجة مصرية، تحتشد فيها الجُمل القصيرة، التي تُغنى الواحدة منها عن طول الشرح. وأحياناً تكون الجملة كلمة، مثلما يقول واحد للآخر، أنه “اشتغله” بمعنى استغفله وضحك على ذقنه.

عُدت بعد سنين طويلة، الى متابعة مسلسل، رُغم أن موقفي حيال المسلسلات، سواء في حواديت المجلات أو عروض التلفزة سلبي تماماً، ولهذا الموقف سبب قديم.

في إحدى المراحل، كنت في الكويت وأكتب في صحفها الزاهية آنذاك، وأعمل في مكتب فتح، برئاسة الأخ “أبو الأديب الزعنون”. فوجئت أن المرحوم فؤاد درويش، زميلي في المدرسة الإعدادية في خان يونس، هو سكرتير تحرير مجلة “اليقظة”. فقد قرأ لي في صحيفة “القبس” وسأل عني وزارني، ثم دعاني لأن أكتب في المجلة. رأيت المرحوم فؤاد مختلفاً في سماته الخارجية. فقد أصبح فؤاد درويش، الأردني، ونقطة على السطر. وكنت أعرفه فؤاد دوريش معمر، الفلسطيني من خان يونس. وفي الحقيقة، كنت أعرف أيامها، بحكم كونه صديقي وجاري في “البنك” أن والده يعيش في الأردن.

ذهبت ذات يوم مع فؤاد، الى “المجلة” وتعرفت على المرحوم محمد الشنظي (أبو توفيق) وكان رجلاً متقدماً في السن وفلسطينياً من يافا. واتفقنا على الكتابة في كل عدد أسبوعي.

كان المرحوم “أبو توفيق” حكواتي بامتياز. فقد نشر في المجلة، أن سيدة فلسطينية من جاليتنا في الكويت، جاءت بمغلف سميك، وقالت له إن قصتي تصلح مسلسلاً، ويا ليتك يا عم أبا توفيق، تنشرها مع تغيير إسمي، لكي تستفيد منها النساء الشابات، فاستجاب لطلبها، على أن تكون الحلقة الأولى في الأسبوع القادم.

ظهرت الحلقة الأولى، وعنوان المسلسل “توحيدة” وهم الإسم الآخر الذي اختاره أبو توفيق للسيدة صاحبة القصة والشكاية. وفي نهاية شهر مايو، قبل مغادرتي الكويت عائداً الى لبنان مع المتطوعين، في يوم بدء الإجتياح الإسرائيلي للبنان (5/6/1982) ذهبت الى المجلة، لتسليم مقالتي (فلم تكن هناك شبكة إنترنت أيامها ولا حتى فاكس).

سلمت المقال وجلست مع أبي توفيق، فاشتكى لي قائلاً، إن الصيف قادم، ومعظم الموظفين سيسافرون في إجازات، وقصة “توحيدة” أوشكت على النهاية، ولا أعرف كيف أتدبر نفسي لكي تستمر المجلة. قلت له، عندي اقتراح، لكن أجبني أولاً بصراحة عن سؤال و”سرّك يا عم أبو توفيق في بير”. قال تفضل. قلت له صحيح القصة واقعية كما ذكرت، وأن الشيء الوحيد غير الحقيقي هو الإسم؟ قال: بيني وبينك ما في قصة ولا في توحيدة ولا غيرها، أنا المؤلف. قلت له: “الله ينور عليك، تستطيع مد القصة لحين عودة الموظفين”. قال “كيف يا خال”. قلت له: “كل هالمخيلة اللي اختلقت الحدوتة، وبتسألني كيف تمد.. طيب هي لوين وصلت؟” فحدثني عن الحلقة الأخيرة والحلقة المقبلة التي يُفترض أن تكون الأخيرة. قلت له: “أنا باقولك كيف، دبر لها سفرية لأوروبا، وهناك في الفندق تتعرف على واحد”. صمت برهة وقال: “خلص يا أبا شعبان، اعتبرها وصلت إسبانيا”!

من يومها، حذفت قصة المسلسلات من رأسي، واكتفيت بالروايات والأعمال الأدبية العميقة، ومن خلال القراءة التي تفتح عوالم جديرة بالتأمل، بخلاف ما عليه الحال، بالنسبة لمسلسل الشد العصبي “البرنس” الذي يجعل من الممثل محمد رمضان، بطلاً أسطورياً مفعماً بالقوة مع القيم والحكمة وحُسن التدبير وطول الصبر، بينما الآخرون متعجلون وضالون وجبناء!

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.