اجتماع دين فكر مختارات مقالات

التنشئة الأولى التي لم يخترها الإنسان بنفسه

بقلم/ أ. عبيد الظاهري – السعودية

خياراتنا (الفكرية والعلمية والإصلاحية) في بداية حياتنا، غالبا ما تكون متأثرة بعوامل كثيرة، أقل هذه العوامل تأثيرا= القناعة العلمية، وذلك لصغر سننا وعدم اكتمال آلتنا المعرفية التي من خلالها نستطيع أن نختار بشكل صحيح.

وأقوى هذه العوامل= العلاقات الاجتماعية والتنشئة الأولى التي لم يخترها الإنسان غالبا بنفسه.

فالشاب قد يتدين على طريقة ما أو مع مجموعة معينة، وهو في بداية أمره، ولا يعرف هل هذه هي الطريقة الصحيحة أم لا؟ خاصة إن لم يكن لديه من يرشده من عائلته أو ممن حوله.

فإذا كبر وزاد علمه وخبرته واطلاعه، إما أن يقتنع بطريقته وخياراته “في التدين والإصلاح” التي نشأ عليها، أو يكتشف أنها لم تكن الطريقة الصحيحة وأن في غيرها ما هو أولى منها، وهو هنا إما أن يستسلم لما نشأ عليه ويكره مخالفته، أو يعارضه وينتقل منها، وهذا الانتقال على صور كثيرة بعضهم ينتقل بعد معارك وصراعات وبعضهم يتغير بهدوء ويختار طريقته التي ارتضاها لنفسه.

حسناً، ما المقصد أريد أن أصل إليه؟

المقصد هو أن نحاول قدر المستطاع عند تبني الخيارات في بداية حياتنا أن ندرك أولاً التفريق بين أصول الدين ومحاكماته وبين الخيارات الاجتهادية.

فأصول الدين نتبناها بعد قناعة، ونحافظ على هذا الاعتقاد.

وأما الخيارات الاجتهادية التي ما زلنا نحن مقلدين فيها، فلا بد أن نعرف أنها خيارات اجتهادية أولا وتقبل الخلاف، ثم أن لا ندافع عنها إلا في حدود معقولة، ولا ننكر على من خالفنا ونحن في طور التقليد، فضلاً عن المصارعة والخلاف الشديد مع الآخرين بسببها.

لماذا؟

أولاً: لأننا مقلدون.

ثانيا: لأن هذه الخيارات التي نتبناها في سن صغير وعلم قليل، قد يعتريها تغيّر مستقبلاً، وهذا أمر طبيعي، فيكون في مقدرونا حيناها أن نعدل عنها بكل يُسر، وهذا بخلاف من قطع أوصال رحمه وعادى أفراد مجتمعه، ثم اكتشف أنه كان على خطأ، فهذا عوده أصعب.

وثالثا: لأن الناس بفطرتهم لا يميلون إلى كثير التقلب والتلون وخاصة إذا كان عن تقليد، فإذا اعتدت تبني الآراء والانتقال إلى غيرها زهد الناس بكل رأي تتبناه لاحقاً، وباتوا ينتظرون تغيّرك الجديد.

وما وُفق العبد إلى شيء كتدين يهتم فيه بصلاح قلبه وإثراء عقله وتقويم سلوكه وزيادة علمه، وما انشغل حديث الاستقامة بصراعات حزبية ومناكفات علمية وجدالات فكرية، إلا حُرم الكثير من الصلاح والعلم.

والله أعلم

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.