أدب و تراث مختارات مقالات

البروفيسور الاسطة يكتب عن تجربته في تدريس الأدب المقارن

سلسلة مقالات أنا والجامعة – ج 34:
الأدب المقارن وتعبئة الفراغات

بقلم أ.د. عادل الأسطة

يعد مساق الأدب المقارن مساقا طارئا على كثير من أقسام اللغة العربية، فلا أذكر أنني درسته في مرحلتي البكالوريوس والماجستير في الجامعة الأردنية، ولا أذكر أنه كان يطرح أصلا، فالمساق يتطلب إتقان الطالب لغتين؛ لغته الأم ولغة أجنبية، وهذا ما لا يتيسر لطلاب قسم اللغة العربية في الجامعات العربية إلا ما ندر.

وحين عينت في قسم اللغة العربية لم يكن المساق يطرح في القسم، علما بأن مساق اللغة العبرية يعلم منذ تأسيس الجامعة، وإن كان ما يعلم على مدار فصلين لا يكفي لقراءة نص أدبي يتجاوز خمس صفحات، وأكتب هذا عن تجربة، فقد واظبت على تعلم العبرية لفصلين كاملين مكررين، عدا جهودي الذاتية المتمثلة في متابعة التلفاز الإسرائيلي وما كان يعرضه من أفلام عربية كل يوم جمعة مترجمة إلى العبرية.

عندما حصلت على منحة الدكتوراه عرفت المستشرقة الألمانية ( انجليكا نويفرت ) على زميلي في القسم معلم اللغة العبرية، وساعدته في الحصول على منحة، مع أنه يحمل جوائز السفر الإسرائيلي، وقد حصل على إجازة من الجامعة لمدة ثلاث سنوات ليدرس الأدب المقارن، فيعود إلى الجامعة أستاذا لهذا التخصص.

كتب زميلي أطروحته في الترجمة من العربية إلى العبرية ومن العبرية إلى العربية، وعاد إلى وظيفته.

في هذه الأثناء صار القسم يطرح مساق الأدب المقارن، وقد أوكل مهمة تدريسه لصاحب التخصص، والطريف أنه ما استمر في تدريسه لأكثر من ثلاثة فصول؛ درسه فصلين لطلبة البكالوريوس ومرة، إن لم تخني الذاكرة، لطلبة الدراسات العليا، ولسوء حظه أو لحسن حظه أن انتفاضة الأقصى كانت في ذروتها، ما جعل تدريس المساق أمرا مشكلا.

إحدى طالبات قسم اللغة العربية، وقد أشرفت عليها في الماجستير، قالت لي إننا لم ندرس أكثر من ست محاضرات من أصل خمس عشرة محاضرة، فالأستاذ، بسبب الحواجز الإسرائيلية المقامة على الطرق، لا يتمكن من الحضور، وعليه فإننا لم ندرس الأدب المقارن.

لا أعرف ما السبب الذي جعل الأستاذ المفترض أنه متخصص في الموضوع يعكف عنتدريس المساق، فعندما صار القسم يطرح المساق صار تدريسه يعزى لي ولأستاذ متخصص في الصوفية ولأستاذ الأدب الحديث، والأخيران، فيما أعرف، لا يتقنان أية لغة أجنبية.

عاد الأستاذ المتخصص يعلم اللغة العبرية فقط، وكفى الله المتخصصين شر التحضير والتثقيف وما شابه.

عندما كنت رئيس قسم اللغة العربية لم تسمح لي الجامعة بتدريس أكثر من ثلاث ساعات إضافية، وهذا من حقها، وكنت أتمنى لو التزمت به التزاما صارما ولم تتغير مواقفها بين فترة وأخرى.

مرة احتاج الطلاب إلى مساق اختياري لدراسته فطرح القسم مساق الأدب المقارن، وعرض تدريسه على المتخصص فاعتذر، وكان يفترض أن يوكل تدريسه إلي، فلي غير دراسة في الموضوع، ولأن إدارة الجامعة في ذلك الوقت كانت حاسمة في تطبيق قراراتها، فقد أوعزت تدريس المساق لأستاذ لا صلة له في الموضوع نهائيا. وقد يعترض على رأيي أستاذ جامعي واسع الاطلاع ويذكرني بتجربة الدكتور إحسان عباس الذي درس الأدب الأندلسي دون أن يكون كتب شيئا فيه، وصار بعد ذلك من أبرز، إن لم يكن أبرز، المتخصصين فيه.

ذهب الدكتور إحسان عباس ليدرس في جامعة الخرطوم، وأوعز القسم إليه تدريس مساق الأدب الأندلسي ولم يكن كتب فيه أو درسه وقبل الأمر على مضض، ثم جد واجتهد وكتب وحقق وصار ما صار إليه في هذا التخصص فعلام أعترض إذن؟

كنت أتمنى لو سار كثير من الأساتذة الجامعيين على نهج الدكتور عباس، فأكثر الذين يدرسون مساقات لا تدخل في صلب تخصصهم يدرسون كتابا ولا يتثقفون في الموضوع، فلا يكتبون أبحاثا ولا يقرأون الجديد من الأبحاث.

عندما درست مساق ” الأدب في مصر والشام ” ولم يكن في صلب تخصصي لم أترك كتابا في أدب تلك الحقبة وقعت عليه عيني دون أن أشتريه، وعندما عين القسم زميلا متخصصا في الموضوع أعطيته ما لدي من كتب.

أحد الزملاء درس مرة مساق ” النقد الأدبي القديم عند العرب ” وهو مساق كنت أدرسه وأنا محاضر قبل أن أسافر للحصول على الدكتوراه، وظل هذا الأستاذ – رحمه الله – يدرس الكتاب الذي استعاره مني حتى نهاية خدمته.

هل يوجد في جامعاتنا كلها أستاذ واحد على شاكلة الدكتور إحسان عباس؟

لطالما أعجبت بتجربة هذا الأكاديمي الذي أخذت العلم من كتبه، فأنا لم أحضر له إلا محاضرة واحدة ألقاها في الجامعة الأردنية قادما من الجامعة الأميركية في بيروت، ليتحدث عن الوزير المغربي.

الخميس
٢١ / ٥ / ٢٠٢٠

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
عادل الاسطة
أستاذ دكتور متقاعد، كان يعمل في قسم اللغة العربية بجامعة النجاح الوطنية في فلسطين منذ 2002م، وحاصل على درجة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة بامبرغ/المانيا في العام 1991م، يكتب في الأدب في مواقع مختلفة، وله زاوية أسبوعية في جريدة الايام الفلسطينية منذ تأسيسها. صدر له 14 كتابا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.