فكر قادة وأعلام مختارات مقالات موسوعة روافد بوست

المحروسة في عهد يحيى آغا

المحروسة في عهد يحيى آغا


بقلم/ د. نبيلة بن يوسف – الجزائر

مناقب يحيى آغا:
من الشخصيات التي كتب عنها التاريخ العثماني والجزائري على حدى شخصية الآغا يحيى بن مصطفى مواليد قرة دانيز (Kara Deniz) المفحمة بالحيوية والشخصية القوية التي جعلته يتبوأ الرقم اثنان في مدينة الجزائر “المحروسة” (1818ــ1828).

ارتقى يحيى آغا في السلك الاداري من جندي بسيط إلى يولداش بثكنة باب عزون بالجزائر العاصمة ووصل إلى منصب خزندار لعمر باشا 1815م، وبعدها أصبح قائدا لمدينة بوفاريك. وبعد تولي الداي حسين باشا ولاية الجزائر العاصمة عام 1818م ارتقى يحي آغا إلى قيادة الجيش وإدارة دار السلطان إلى غاية 1828م، وتوطدت العلاقة بينهما لما تزوج يحي آغا الإبنة الكبرى للداي.

اكتسب سمعة شريفة لدى سكان الجزائر نسبة لعدله في التوزيع وإحسانه للضعفاء والدود عليهم ضد كل من يسيء إليهم.

شجع السكان على الزراعة والرعي وتربية الحيوانات لاسيما في الاحراش (البايلك) الذي أشرف عليهم شخصيا (موزاية والحراش، بن عمار والرغاية ويسر..) حتى اضحت مزارع نموذجية، فلقد ضم حوش الرغاية وحده ما لا يقل عن 200 حصان من السلالات الأصلية.
وبوركت هذه الأعمال حتى من طرف الأجانب منهم قنصل الولايات المتحدة الامريكية في الجزائر”شالير”Shaler الذي كتب في مذكراته عام 1822م “يحي آغا نموذجا مصغرا من اختراع جديد”.

القبائل في مواجهة العثمانيين في الجزائر:

بين الوقت والآخر تحدث حركات عصيان وتمرد شعبي ضد الدايات لاستيائها من الوضع حول قلة المؤونة وإجبارهم على دفع الاتاوات تحت مطلب المخزن فطاقت تلك القبائل للاستقلال. ولم يخلو زمن يحي آغا من ذلك، ولعل أكثر المواجهات التي ميزت نشاطه الحربي، هو مواجهته لإخماد نيران العصيان الذي اعلنه سكان منطقة القبائل في كل من جرجرة والصومام وقلعة بني عباس، وانضمت إليها فيما بعد قبائل واقنون وقشتولة، خاصة لما رفضت معاونته في القضاء على حركة التيجانيين في عين ماضي (ولاية الأغواط حاليا) عام 1819م، هذه الأخيرة هي الطريقة التيجانية المرابطة من القوى الصوفية في الجزائر والتي عرفت بمناهضتها للظلم فشهدت من خلالها إيالة الجزائر عدة ثورات شعبية بعد أن استطاعت جمع الكثير من القبائل الجزائرية حول أفكارها، وبالتالي شق عصا الطاعة على الحاكم العثماني والدخول في ثورة ضده.

كانت المعارك شديدة الوقع استطاع حينها القبائل تدمير برج بوغني فتراجعت جيوش الآغا العثماني عند حدود ماكوده وتم اغتيال زعيم المتمردين “محمد أوقاسي” في برج سيباو 1820م، مما جعل المعارك تتوقف. أما قبائل بني عباس فقد تواصل زحفها الى منطقة البيبان إلى أن تمكن منها بن كانون الذي أحرق 12 دشرة وراح ضحيتها الكثيرون في أوت 1824م. ولمزيد من الاطلاع على منطقة القبائل في العهد العثماني لكم المتعة في قراءة كتاب القبائل الكبرى تحت النظام التركي La Grande Kabylie sous le régime Turc

صادر عن دار بوشان للنشر في الجزائر عام 1998.

نهاية الآغوية المأسوية:

كان للآغا يحي أعداء داخل دار السلطان نتيجة الغيرة الشديدة التي يكنونها له، ما استطاعوا التفرقة بينه وبين الداي حسين لما شككوا في عدله وعمله التوزيعي، أول الشاكين كان أحمد باي عن مدينة قسنطينة عن تقصير يحي آغا في إرسال المؤونة لمحلة الشرق الجزائري، ووجد المساندة السهلة والسريعة من اشد الاعداء ليحي آغا وهما الخزناجي ووكيل الحرج الذي كان في ذات الوقت صهر الداي حسين، وزادوا اتهامه في افساد قوت الجند خلال الحصار الفرنسي البحري على الجزائر 1827م… ومازاد الطين بلة هو عدم مواجهة الأمر من طرف الاغا يحي لما سمع بتلك الوشايات، بل ابتعد وتمارض حتى لا يقابل الداي حسين مما جعل هذا الأخير يؤكد شكوكه فأمر بعزله ثم اعدامه.

الكثيرون ممن يرون أن توقيت عزله لم يكن مناسبا البثة، ففي حنكته الحربية ونشاطه ومعرفته بخبايا الجيش الذي ترأسه وقام بإصلاحات عميقة فيه يعزل في وقت الجزائر في مواجهة خطر الغزو الفرنسي، وقال في ذلك ادمون لامبير  Lambert) ؛ “لو عاش يحي آغا لما تمكن الفرنسيون من الاستيلاء على الجزائر، لأنه كان بفضل مهارته ونصائحه وسديد رأيه قادرا على طردهم أو تجنب الدخول معهم في حرب خاسرة”. وزاد أحمد الشريف الزهار النقيب من أشهر مؤرخي الفترة العثمانية من تاريخ الجزائر كتب فيه؛ ” إنه أحسن رجال تلك الدولة عقلا ومعرفة”.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
نبيلة بن يوسف
استاذ دكتور في العلوم السياسية في جامعة تيزي وزو الجزائر منذ ٢٠١٨م، مختصة في التنظيم السياسي والاداري وباحثة في ادارة الازمات و العلاقات الدوليه، الادارة العامة، الشأن الجزائري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.